للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كذلك ترادفت كلمتهم على تحريم شربها للجوع أو للعطش إلا الحنفية، فإنهم رخصوا بشربها عند ضرورة العطش أو الإكراه.

هذا وقد شذ عن هؤلاء جميعاً الظاهرية، حيث ذهبوا إلى إباحة التداوي بالخمر عند الضرورة.

قال الإمام ابن حزم الظاهري: (الخمر مباحة لمن اضطر إليها، فمن اضطر لشرب الخمر، لعطش أو علاج، أو لدفع خنق فشربها فلا حد عليه) .

ويقول: إن التداوي بمنزلة الضرورة، وقد قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: ١١٩] ، فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب (١) .

هذا وقد أثبتت الأبحاث الطبية أخيراً أن من الخطأ اتخاذ الكحول دواء لأي مرض من الأمراض، وكان ذلك من أهم النتائج التي توصل إليها المؤتمر الدولي الحادي والعشرون لمكافحة المسكرات والتسمم الكحولي، الذي عقد في هلسنكي عاصمة فنلندا سنة ألف وتسعمائة وتسع وثلاثين، ففي إيراد ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وكانت النتيجة التي توصل إليها المؤتمر بإجماع الآراء ما يلي:

(يقر المؤتمر أن الطبيب الذي يصف لعليله شيئاً من الخمر على سبيل التداوي يعتبر في عرف هذا المؤتمر طبيباً متأخراً في فنه بضعة عشر عاماً، وأن الشخص الوحيد الذي ينتفع من رواج الخمر هو صانعها أو بائعها، وأما شاربها فهو الضحية والفريسة، وهو الذي يدفع ثمنها من ماله وصحته وعاقبة أمره) (٢) .

إن الخمر محرمة لعينها، فلا تباح إلا لضرورة، وليس منها التداوي؛ لأن الخمر لا يغني طريقاً للعلاج، لأن هناك غيرها من الدواء الطاهر يفي بالغرض المطلوب. ومن قال منذ نشأ الطب إلى اليوم: إن في الخمر فائدة طبية لا توجد في غيرها (٣) ؟!


(١) المحلى لابن حزم (٧/ ٤٠٤)
(٢) المسكرات وآثارها وعلاجها في الشريعة الإسلامية، (ص ١٨٥- ١٨٦) ، دكتور أحمد علي طه ديان، دار الاعتصام، منقولة من كتاب: آثار الخمور للدكتور أحمد غلوش، مطبعة الهنا للطباعة والنشر بمصر
(٣) العقوبة في الفقه الإسلامي: للمرحوم محمد أبو زهرة (ص ١٨٥)

<<  <  ج: ص:  >  >>