فالإشارة الأولى إلى المحرقة المذكورة في القرآن، والإشارة الثانية نتيجة هذه الحرب الدولية اشتركت فيها روما مع الحبشة ضد اليهود فعندئذ جاءوا إلى مكة لهدم الكعبة وردوا عنها بمعجزة أشار إليها في سورة الفيل , ولكن روما لم تقف فعندئذ افتتحت الحرب ما بين روما وما بين فارس التي انتصرت حينذاك لليهود فقامت الحرب ما بين الروم وبين فارس وإليه الإشارة: {غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} .
فكان أول ما فعل اليهود بعد محرقتهم التي حرقوا فيها المسيحيين في نجران فجميع اليهود الذي كانوا في فلسطين وصلتهم الأخبار قبل أن تصل للحكومة الرومانية فإذا بهم يهربون قبل نحو قرن ونصف من مجيء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ليعتصموا فيها خشية من أن ينتقم منهم بالحريق، لذلك لما دخل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال:((المسلمون من قريش والمسلمون من أهل يثرب ومن قاتل قتال أهل يثرب - وعددهم تسعة قبائل بالأسماء - من اليهود. وقال: لليهود دينهم ولنا ديننا ولهم المناصرة والمساواة بالمسلمين)) ، أفيدونا متى كان مثل هذا الاعتقاد في حرية الأديان على المستوى الدولي والإنساني والعالمي من قبل ومن بعد؟ هذه أشرت إليها في دراساتي ولو لم أكن درست حبًّا بالاطلاع على الشرائع المسيحية والعداء القائم بين المسيحية واليهود لما اطلعت على هذه القصة ولما استطعت أن أجد لها التفسير ـ كلمة المناصرة ـ المناصرة على من؟ وإذا بهم هاربون من فلسطين خشية أن ينتقم منهم، وهكذا كان الإسلام في ذلك وحده الذي أقام السلام في الأرض عملًا بمنهاجه ونظامه العالمي الحديث وشريعته التي احترمت حرية العقيدة لجميع من هم تحت راية الإسلام وضمنت لهم المساواة بالمسلمين في الحياة الكريمة فقد حمى نصارى نجران عندما خاف أن تتكرر عليهم المذبحة من اليهود، ولكنه من قبل حمى اليهود أيضًا من غزو الدولة الرومانية إلى المدينة وتقتيلهم، كما قد كان أعلنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لليهود اللاجئين إلى المدينة هربًا من مذابح دولة الرومان النصرانية في فلسطين حينذاك إذ قال لهم:((لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ولليهود المناصرة والمساواة بالمسلمين)) ، وهكذا يكون الإسلام هو أول نظام عالمي إنساني يقوم على الإيمان وضمان حقوق الإنسان.