ثالثًا ـ ومن أسباب تحجيم سفك الدماء كذلك وحقن الدماء ما اشترطه الإسلام من توجيه الدعوة أولًا قبل القتال , فإن استجابوا جميعًا أو استجاب بعضهم فقد عصم دمه , ولذلك يذكر ابن رشد القرطبي شرط الحرب وأنه بلوغ الدعوة، ويحكي الاتفاق على هذا، ويفسر ذلك بقوله "أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجتمع عليه بين المسلمين؛ لقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}(١) .
ودليل ذلك رواية ابن عباس قال:((ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا قط إلا دعاهم)) [رواه أحمد] .
وكذلك رواية سليمان بن بريد عن أبيه قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا , ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: أو خلال، فأيهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإنه هم أبوا فلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.)) [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه](٢) .
(١) بداية المجتهد: ١/ ٣٨٦ (٢) نيل الأوطار: ٨/ ٥١، و ٥٦