ويقول الشوكاني: قوله: لا تقتلوا شيخًا فانيًا؛ ظاهره أنه لا يجوز قتل شيوخ المشركين، ويعارضه حديث: اقتلوا شيوخ المشركين الذي ذكرناه , وقد جمع بين الحدثين بأن الشيخ المنهي عن قتله في الحديث الأول هو الفاني الذي لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين وقد وقع التصريح بهذا الوصف بقوله ((شيخًا فانيًا)) والشيخ المأمور بقتله في الحديث الثاني هو من بقي فيه نفع للكفار ولو بالرأي كما في دريد بن الصمة , فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى.
قال أحمد بن حنبل في تعليل أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الشيوخ: إن الشيخ لا يكاد يسلم , والصغير أقرب إلى الإسلام.
وفي كلام الشوكاني عن أصحاب الصوامع يقول: فيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان متخليًا للعبادة من الكفار كالرهبان لإعراضه عن ضر المسلمين، والحديث وإن كان فيه مقال لكنه معتضد بالقياس على الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر وهو المناط ولهذا لم ينكر صلى الله عليه وسلم على قاتل المرأة التي أرادت قتله، ويقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا أو أعمى أو نحوهما ممن كان لا يجرى نفعه ولا ضره على الدوام (١) .
وعلى ذلك يكون حرص الإسلام على تحجيم سفك الدماء وقصر هذا على الفئة المباشرة للقتال فحسب، وإذا جنحت للسلم جنح المسلمون وتوقف القتال كما سبق ذكره.
(١) نيل الأوطار: ٨/ ٧٤، وانظر: وصية عمر رضي الله عنه في ذلك في الأموال: ص ٣٧؛ والمغني: ٨/ ٤٧٧، وقوله في الفلاحين: "اتقوا الله في الفلاحين فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب" سنن البيهقي: ٩/ ٩١. وانظر موسوعة فقه عمر: ص ٢٣٦