ولقد حقق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في سيرهم العملي أخذًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا عمر رضي الله عنه يقول لسلمة بن قيس:"سر باسم الله، فقاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم من فيء المسلمين نصيب، فإن اختاروا أن يكونوا معكم ـ أي في عداد المجاهدين ـ فلهم مثل الذي لكم ـ أي من العطاء ـ وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا ـ أي الدخول في الإسلام ـ فادعوهم إلى إعطاء الجزية، فإن أقروا بالجزية فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا ـ أي دفع الجزية ـ فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم في الحصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تنزلوهم على حكم الله ولا حكم رسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن تنزلوهم على ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، واعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغدروا، ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ". (١) .
وأما ما ذكر من رواية نافع عن ابن عمر ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون)) فإنه جعل في المسألة ثلاثة مذاهب يحسن الإشارة إليها:
الأولى: أنه يجب تقديم الدعاء للكفار إلى الإسلام من غير فرق بين من بلغته الدعوة منهم ومن لم تبلغه، وبه قال مالك وغيره، وظاهر الحديث معهم.
المذهب الثاني: أنه لا يجب مطلقًا ويستدل أصحاب هذا المذهب بحديث نافع عن ابن عمر وغيره (٢) .
المذهب الثالث: أنه يجب لمن لم تبلغهم الدعوة ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، قال ابن المنذر وهو قول جمهور أهل العلم: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه , وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث (٣) .
وعلى كل حال فإن تقديم الدعوة أولًا سواء على جهة الوجوب لمن لم تبلغه أو الاستحباب لمن بلغته يدل على حرص الإسلام على تجنب سفك الدماء بالقتال.
(١) الخراج، لأبي يوسف: ص ٢٣٠، وانظر موسوعة فقه عمر بن الخطاب د. محمد رواس قلعجي: ص ٢٣٣ (٢) راجع نيل الأوطار: ٨/ ٥٥، و ٥٦ (٣) راجع نيل الأوطار: ص ٥٣، وانظر بداية المجتهد: ١/ ٣٨٧