للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويقول مجد الدين أبو البركات في المحرر: "وأقل ما يفعل مرة في كل عام، إلا أن تدعو الحاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين ... وللإمام تأخيره ـ أيضًا - مع القوة والاستظهار لمصلحة رجاء إسلام العدو ونحوها (١)

ومعنى ذلك أن الحكم مرتبط كذلك بغايات الجهاد التي تجعل اللجوء إلى القتال ضرورة وصولًا إلى الحق، وتحقيقًا للعدل ودفعًا للفساد وتبليغًا لكل ما يحقق في الناس هذه القيم وهو الإسلام الذي ينقذ العالمين.

وقد نبه علماؤنا إلى هذا وقضوا عليه وهم يذكرون حكم الجهاد فيقول صاحب كتاب اللباب في شرح الكتاب الشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي: "الجهاد فرض على الكفاية لأنه لم يفرض لعينه إذ هو فساد في نفسه , وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الفساد عن العباد , وكل ما هو كذلك فهو فرض كفاية إذا حصل المقصود بالبعض وإلا ففرض عين". (٢) .

ويتضح هذا المعنى لدى الباحثين المعاصرين ـ أيضًا ـ في اعتبار الحرب في الإسلام شرًّا ولكن لا بد منه لدفع الفساد فيقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: "إن الحرب في الإسلام شر وبلاء فلا يدخل المسلمون الحرب إلا دفعًا للشر والعدوان، وعندئذ يكون هذا الشر خيرًا، ويصبح البلاء عافية.. وفي هذا يقول الشاعر:

والشر إن تللاقه بالخير ضيقت به ذرعًا وإن تلقه بالشر ينحسم

ويقول الآخر:

وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان

إن الشر الذي يدفع به الشر، هو في غايته خير، إذ لو ترك الشر دون أن يؤخذ على يد فاعليه، لاستشرى، ولأتى على كل خير في هذه الحياة , والله تعالى يقول: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (٣) .

فمن فضل الله تعالى على الناس، ورحمته بهم أنه أقام من عباده الصالحين المحسنين من يتصدى للشر وأهله، وحتى يقضي على هذا البلاء، الذي لو ترك لأهلك الحرث والنسل.

ويقول سبحانه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (٤) .


(١) المحرر في الفقه، لمجد الدين أبو البركات: ٢/ ١٧٠
(٢) كتاب اللباب في شرح الكتاب في فقه الحنفية: لعبد الغني الميداني الدمشقي: ص ٣٦٧
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٥١
(٤) سورة الحج: الآية ٤٠، انظر الحرب والسلام في الإسلام، للأستاذ عبد الكريم الخطيب: ص ١٦

<<  <  ج: ص:  >  >>