ويرتبط حكم الجهاد كذلك بسيرة الدعوة حيث عاش المسلمون فترتها الأولى يواجهون تحديات شتى , ويفتنون في أبدانهم وأموالهم , ويقابلون هذا بالصبر الجميل والرد الفردي عند الاستطاعة ممن كانت له قوة أو يأوي إلى ركن شديد، وكذلك بالتحرك بعيدًا عن مواطن الفتنة بالهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة المنورة، ثم أذن للمسلمين بالقتال , وأبيح لهم ردًّا للعدوان مع عدم الاعتداء، ثم فرض القتال تحقيقًا للغايات التي سنفصل القول فيها إن شاء الله بعد ذلك.
وقد أجاد الشافعي ـ رحمه الله ـ في وصف هذه المراحل بأدلتها في كتابه أحكام القرآن , فقال رحمه الله: "ففرض عليه إبلاغهم، وعبادتهم، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه، ولم يأمره بعزلتهم، وأنزل عليه: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] .
وقوله:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} مع أشياء ذكرت في القرآن في غير موضع في مثل هذا المعنى.
وأمرهم الله عز وجل بأن لا يسبوا أندادهم , فقال:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية، مع ما يشبهها.
ثم أنزل جل ثناؤه ـ بعد هذا ـ في الحال الذي فرض فيها عزلة المشركين فقال:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وأبان لمن تبعه ما فرض عليهم بما فرض عليه قال:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} الآية (١) .