للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وابن عبد البر يتفق مع جمهور العلماء في حكم الجهاد الفرض بقسميه ولكنه يقرر هذه الفرضية بوصف عملي ينظر فيه إلى الأمة المسلمة باعتبارها أمة واحدة في عزتها ومنعتها، وكذلك ينظر في قوله إلى وجود الإمام للأمة والذي يحمل على كتفيه مسؤولية الدعوة وتبليغها للعالمين وإنقاذ الناس من الشرك ومظاهره، ومن الظلم وآثاره، وهو يذكر واجب الإمام في هذا يطبق معه كذلك حكم الجهاد العين وجهاد الكفاية، ليذكر بعد ذلك النوع الثاني من الغزو وهو غزو النافلة فيقول: وأما النافلة من الجهاد: فإخراج طائفة بعد طائفة وبعث الرايات في أوقات العزة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في مواضع الخوف، وسأل العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، أيضًا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله ـ عز وجل ـ وحكم بغيرها؟ فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة، قال أبوعمر: جواب مالك هذا ـ وإن كان في جهاد غير المشركين ـ فإنه يشمل ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأنه يقول: من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين ولم يجز له إباحة دمه لمن لا يقوى عليه ولا يمكنه ولا ينفع المسلمين بما يحاوله فيه، وقول مالك هذا يشبه عندي ما رواه سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجحي عن عطاء عن ابن عباس قال: من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر , يعني في القتال. قال سفيان: فحدثت به ابن شبرمة فقال: هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فأذنوهم (١) .

فهذا هو حكم الجهاد لدى جمهور العلماء فرض كافية إلا إذا تعين بأسباب تجعله على كل مستطيع نفسًا ومالًا، وقد ذكر ابن عبد البر تطبيق هذا الحكم عمليًّا على الأمة كلها بإمامها وارتباط حكم الجهاد بالقوة والضعف والقلة والكثرة على ما ذكره (٢) .


(١) الكافي، لابن عبد البر: ١/ ٣٩٦
(٢) انظر تفصيل هذا في الروض الندي شرح كافي المتبدي، لأحمد بن عبد الله البعلي: ص ١٩٨، والمقنع، لابن قدامة: ١/ ٤٨٣، والمبدع في شرح المقنع، لابن مفلح: ٣/ ٣٠٧ و ٣٠٨، وموسوعة فقه عمر بن الخطاب، د. محمد قلعة: ص ٢٣٠، وبداية المجتهد، لمحمد بن رشد القرطبي: ١/ ٣٨٠، و ٣٨١: وأحكام القرآن للإمام الشافعي: ٢/ ٢٩، وما بعدها؛ والوجيز في فقه الشافعي، للغزالي: ٢/ ١١٣

<<  <  ج: ص:  >  >>