وأما ابن عبد البر في كتابه الكافي في فقه أهل المدينة المالكي فيقسم الجهاد تقسيمًا آخر يشمل ما ذكر من الفرضية بنوعيها (فرض الكفاية وفرض العين) ولكنه يضيف إلى الفرضية فرضًا آخر يجعله على الإمام، ويذكر في تقسيمه كذلك جهاد النافلة فيقول:"الغزو غزوان: غزو فرض، وغزو نافلة"، والفرض في الجهاد ينقسم أيضًا قسمين:
أحدهما: فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا وشبابًا وشيوخًا ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعددهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عددهم وعلم أنه يذكرهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل البلد التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه.
والقسم الثاني: من واجب الجهاد فرض أيضًا على الإمام إغراء طائفة إلى العدو، وكل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويكف أذاهم ويظهر دين الله عليهم ويقاتلهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية فإن أعطوها قبلها منهم وإن أبوا قاتلهم وفرض على الناس بأموالهم وأنفسهم الخروج المذكور حتى يعلم أن في الخارجين من فيه كفاية بالعدد، وقام به، وفإذا كان ذلك سقط الفرض عن الباقين وكان الفضل للقائمين على القاعدين أجرًا عظيمًا وليس عليهم أن ينفروا كافة". (١) .