للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حكم الجهاد ومراحل تشريعه:

يتفق علماء الأمة على أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن باقيهم ولم يأثموا بتركه (١) .

وقال صاحب المجموع: "والجاهد فرض , والدليل عليه قوله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} .

وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

وهو فرض على الكفاية إذا قام به من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين لقوله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} , ولو كان فرضًا على الجميع لما فاضل بين من فعل وبين من ترك؛ ولأنه وعد الجميع بالحسنى فدل على أنه ليس بفرض على الجميع، وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان وقال: ليخرج من كل رجلين رجل ثم قال للقاعدين: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج؛ ولأنه لوجعل فرضًا على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش فيؤدي ذلك إلى خراب الأرض وهلاك الخلق)) (٢) .

ولكن يتعين الجهاد - أي يصبح فرض عين - في حالات تضطر فيها الأمة كلها إلى مواجهة العدو ذكر منها ابن قدامة ثلاثة مواضع:

أحدها: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف , وتعين عليه المقام لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وقوله: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَابِرِينَ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتاله ودفعهم.

الثالث: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا استنفرتم فانفروا)) (٣) .


(١) انظر الإفصاح: لابن هبيرة: ٢/ ٢٧٣
(٢) كتاب المجموع شرح مهذب الشيرازي: ١٨/ ٤٣، و ٤٤
(٣) المغني، لابن قدامة: ٨/ ٣٤٦، و٣٤٧

<<  <  ج: ص:  >  >>