للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي إنجيل متى المتداول بأيدي النصارى في الإصحاح العاشر عدد ٢٤ وما بعده يقول: "لا تظنوا إني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا، بل سيفًا، فإنني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته , مَنْ أحب أبًا أو أمًّا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني، ومن وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها" (١) .

فهكذا يكون التسلط البشري المخرب الذي يلبس ثوب دين فصله الهوى للتخريب والاستعلاء في الأرض بغير الحق.

ولكن المسلم الذي يلتزم مفهوم الجهاد في الإسلام يبذل الوسع والطاقة في سبيل الله بالنفس واليد واللسان (٢) .

ويتضمن هذا المعنى عناصر الجهاد في المقاتل من جهة إعداده معنويًّا وماديًّا , والعدد , وما يبذل فيها , والخطط وما يرسم لها من أفكار , وغير ذلك مما يرتبط بهذه العناصر والتي تقتضي جهاد النفس في مدافعة الجبن والبخل والتربية على الشجاعة والإقدام وحسن التدريب، والسهر لمعرفة ما يكون لدى العدو حتى لا يكون المؤمن دونه.

وأما المغازي والسير فإنها ترتبط كذلك بالمعاني السابقة في معنى الجهاد , واستعملت بهذا المفهوم , جاء في الحديث: ((الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكرمية واجتنب الفساد فإن نومه ونبهته أجر كله، وأما من غزا رياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف)) (٣) .

ولذلك ارتبطت المغزي بالمعارك التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ لإعلاء كلمة لله. واستعملت كتب التفسير والحديث والفقه مصطلحات الجهاد والمغازي والسير لمعالجة ما يتصل بالقتال والحرب، بل ألفت كتب تحمل هذه العناوين مثال ذلك:

ـ المغازي والسير لابن عبد البر.

ـ السير للأوزاعي.

ـ والمغازي للواقدي.

ولذلك وجدنا الفقهاء يتناولون موضوع الجهاد فيتكلمون عن حكمه وفضله، ومراحل تشريعه، وبواعثه وأهدافه، ومنهج الإسلام في حقن الدماء، والدعوة قبل الدخول فيه، والإعداد له ماديًّا ومعنويًّا. وسنتناول في هذا الفصل ـ إن شاء الله ـ هذا المباحث.


(١) انظر فقه السنة، للاستاذ سيد سابق: ص ٦١٨، و ٦١٩
(٢) انظر نيل الأوطار، للشوكاني: ٧/ ٢٠٨، وانظر الحرب والسلام في الفقه الدولي الإسلامي، د. محمد كمال إمام: ص ٤٢
(٣) رواه أبو داود، والدارمي، والموطأ، وانظر شريعة الإسلام في الجهات والعلاقات الدولية، للمودودي: ص ١٨٥

<<  <  ج: ص:  >  >>