ولكي يبقى معنى القتال الذي أذن فيه واضحًا في أهدافه، وفي أبعاده، وفيما يلتزم فيه من مبادئ وقيم، وجدنا في الإسلام مصطلحات أخرى لتؤدي المعنى المراد مصحوبًا بالمفاهيم الإسلامية كمصطلح الجهاد وكذلك المغازي والسيرة , فالجهاد: مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة، وجاهد: فاعل، مِنْ جهد: إذا بالغ في قتل عدوه وغيره، ويقال: جهده المرض وأجهده، إذا بلغ من المشقة، وجهدت الفرس وأجهدته: إذا استخرجت جهده، والجهد بالفتح: المشقة، وبالضم: الطاقة: وقيل: يقال: بالضم وبالفتح في كل واحد منهما. فمادة "ج. هـ. د" حيث وجدت ففيها معنى المبالغة. وهو في الشرع: عبارة عن قتال الكفار خاصة (١) بالوجه الذي سنبينه في هذا لموضوع، والمعنى اللغوي للجهد من استفراغ الوسع وبذل الطاقة وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته هو ما يعبر عنه بالحرب في العرف الحديث فالحرب هي القتال المسلح بين دولتين فأكثر (٢) .
وإذا كان البشر قد خاضوا الحروب ظلمًا واستعلاء في الأرض فإن الإسلام قد جعل الجهاد لوقف هذا الظلم والاستعلاء , فالجهاد كما سيتضح من مفهومه في الإسلام لتحقيق السلام والوقوف في وجه كارهي هذا السلام، والعجيب أن تجد المفهوم المخرب للحريات لدى من ينتسب إلى دين عبثت به نفوسهم الشريرة فحرفوا وبدلوا ووضعوا ما لم يأذن به الله في العلاقات بين خلقه فنجد في أسفار التوراة التي يتدالوها اليهود تقرير شريعة الحرب والقتال في أبشع صورة من صور التخريب والتدمير والإهلاك والسبي فقد جاء في سفر التثنية ... في الإصحاح العشرين عدد ١٠ وما بعده:"حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيه يكون لك بالتسخير، وسيتعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف وأما النساء، والأطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا، التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريمًا؛ الحيثيين والأموريين، والكنعانيين، والفرزيين، والجويين، واليوبوسيين، كما أمرك الرب إلهك".
(١) المطلع على أبواب المقنع، للإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي، مجموعة المبدع: ١١/ ٢٠٩؛ والروض الندي شرح كافي المبتدي، لأحمد بن عبد الله البعلي: ص ١٩٨ (٢) انظر فقه السنة، للاستاذ سيد سابق: ٢/ ٦١٨