أو يكون معنى نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازًا عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية، وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودعاء الضرورة إليه، ألا ترى أنه إنما كوى سعدًا حينما خاف عليه الهلاك من النزف.
وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران خاصة عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول فما أفلحنا ولا أنجحنا، والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس كذلك في بعض الأعضاء فيشبه أن يكون النهي منصرفًا إلى النوع المخوف منه (١) . وعلل ابن العربي النهي لأنهم كانوا يعظمون أمره، ورأوا أنه يبرىء ولا بد، ولأنهم كانوا يستعملونه على العموم بينما الأصل أنه يستعمل في داء مخصوص (٢) .
وهكذا يتضح أن الكي يعتبر طريقًا من طرق العلاج، وقد عالج به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند الحاجة، وعندما كان يتعين طريقًا للشفاء.
وأن النهي كان عن المغالاة في استعماله، أو أن يجري على يد غير الأطباء أو الاعتقاد بأنه يقي صاحبه من المرض أو التوهم بأنه يحسم العلة ويمنع تفاقمها أو لاعتقاد أن الشفاء يمنع النكس، ووضح لهم أن استعماله مشروط بموافقته للداء مع الاعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى (٣) ، وبهذا الاعتبار أجازه الجميع (٤) .
وقد أحسن ابن القيم في التوفيق بين أحاديث الكي حيث قال:(فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها، بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه. بل يفعل خوفًا من حدوث الداء)(٥) .
ومن أنواع التعالج بالجراحات الصغرى أيضًا ما ثبت من أن فاطمة عليها السلام لما رأت الدم الذي ينزف من وجهه صلى الله عليه وسلم يزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقأ الدم (٦) . وفي رواية للترمذي: فأخذ حصير فأحرق وحشي به جرحه.
(١) معالم السنن للخطابي: ٤/٢١٦ - ٢١٩، وهناك تأويلات أخرى، انظر: بهجة النفوس: ٤/١٢٨ منها عدم التشبه بالجاهلية وأهل الكتاب أو كرهه من طريق الفأل. (٢) عارضة الأحوذي: ٤/٢٠٦ - ٢٠٨. (٣) بتصرف من الطب النبوي والعلم الحديث: ٣/١٠٨ - ١٠٩، ١١٢، ١١٤. (٤) انظر في جوازه ابن عابدين: ٥/٤٧٩؛ والفواكه الدواني: ٢/٤٤٠، ٤٤١؛ والمجموع: ٩/٥٣ - ٥٤. (٥) زاد المعاد: ٤/٦٥. (٦) فتح الباري: ١٠/١٧٣، ٦/٦٩؛ وصحيح مسلم حديث ١٧٩٠؛ والترمذي في الطب، باب التداوي بالرماد.