ومما سبق يتبين لنا أن المعالجة بالكي جائزة للحاجة لقوله صلى الله عليه وسلم:((إن كان في شيء من أدويتكم شفاء.. أو لذعة نار..)) حيث نسب الشفاء إليه. والأولى تركه إذا لم يتعين لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:((وما أحب أن أكتوي)) ، ولذا قال ابن حجر: وحاصل الجمع (بين أحاديث النهي والجواز) أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء (١) .
ونحو هذا قال الخطابي في تعليل الأحاديث التي ظاهرها النهي ومنها حديث عمران بن الحصين قال:(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا) ، وبيّن أن النهي يحتمل وجوهًا:
منها: أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره ويقولون آخر الدواء الكي ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك، إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله سبحانه. فيكون الكي والدواء سببًا لا علة، وبين أن كثيرًا من الناس يخطئون في ظنونهم، فيقولون لو لم يخرج من بلده لم يهلك، ولو شرب الدواء لم يسقم ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب، وتعليق الحوادث بها دون تسليط القضاء عليها، وتغليب المقادير فيها، فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها، وقد بين الله عز وجل في كتابه حيث قال:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}(٢) .