ومما لا ريب فيه أن الناس إذا كانت لهم حاجة إليه في تلك الأعصار على فضلها، فهم إليه في هذا العصر على وضوح اختلاله أحوج. وقد فشا التعامل به في ديارنا فشوًا خارجًا عن الحد وقد قال الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور بجوازه في حديثه عن الرخصة عند وقوع الضرورة العامة المؤقتة. وقال: إن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة. ومثل لذلك بالكراء المؤبد في أرض الوقف الذي جرت به الفتوى بالأندلس في أواخر القرن التاسع، وفتوى ناصر الدين اللقاني بعد ذلك في إحكار الأوقاف، ثم إجازة العقود المسماة بالنصبة والخلو والجلسة والجزاء وما ألحق بها في الإنزال في تونس وفاس، وفتوى علماء بخارى من الحنفية ببيع الوفاء في الكروم لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة، فاحتاجوا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها. ابن عاشور. المقاصد: ص١٢٥ - ١٢٦؛ وجاء في البيوع والمعاملات المعاصرة: نرى [بيع الوفاء] فشا في الريف بخاصة عندنا بمصر وبغير مصر من البلاد الإسلامية ... وما أحرانا أن نقر هذا العرف الذي أقره جمع من أسلافنا الفقهاء، توسعة على الناس وإبعادًا لهم عن الاقتراض بالربا ... ومن الخير إذن مراجعة الأمر وإباحة هذا الضرب من البيع على أن يشتد القانون في رعاية حق البائع والمشتري وبخاصة البائع لأنه المحتاج ... ولنا في آراء الفقهاء دليل ومستند يصح الاستناد إليه في تجويز هذا البيع للحاجة إليه. بتصرف من محمد يوسف موسى: ص١٣٨ - ١٤٠؛ انظر أحمد الزرقاء:(العادة محكمة واستعمال الناس حجة) . القاعدة: ٣٥، ٣٦/ المادة ٣٦، ٣٧، ١٦٥ - ١٦٩.، وبرزت به الفتاوى والأحكام ممن أدركناهم من الحنفية، ومنهم والدي رحمه الله تعالى، منذ صدر للإفتاء إلى أن لحق بربه، وذلك خمس وأربعون سنة،
[٣٧٢] وممن لم ندركه بالبلاغ عنه. فلا يفتي الآن أو يقضي فيه منهم بغير هذا إلا من قصد الإضرار بالناس. وأما منعهم من التعامل به جملة بعد هذا الفشو والحاجة الشديدة إليه فحامل لهم على الهجوم على الربا المجمع على تحريمه جهارًا، لأن المضطر إذا أغلقت في وجهه الأبواب ارتكب المشاق الصعاب.