للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولهذا، مع ما انضاف إليه من تحيل الناس: وهو أنهم يعقدونه أولًا تقليدًا للمذهب الحنفي لوجود الرخصة في ذلك فيه، وعند فسخ المشتري له وطلبه الثمن من البائع يرفعه للمالكي الذي لا يراه إلا رهنًا، فيحسب عليه من ماله ما كان استغل من ثمره أو أخذ من منافعه وربما استغرق ذلك ماله، بل ربما زاد عليه عند طول المدة، رأى أميرنا (١) هذا، أيده الله تعالى وسدده ووفقه للخير وأرشده، (تحجير الحكم في بيع الوفاء على القضاة المالكية) أن حجر الحكم فيه على القضاة المالكية، وأن ما تأتيهم فيه من قضية وجهوها إلى الحنفية (٢) ، حسبما أخبرني بذلك الحجر قاضيا الوقت اللذان أحدهما المالكي المحجور عليه (٣) .

هذا وقضية كلام غير واحد في تقرير مذهب التركيب، ومنهم البزازي في جامعه، أنه يعتبر مركبًا من الرهن والبيع الصحيح كما سبق (٤) ، وذكر في موضع آخر منه أن يعتبر مركبًا منهما ومن البيع الفاسد أيضًا (٥) ، وأنه كالزرافة فيها صفة الثور والبعير والنمر. ويلوح لي أنه لا حاجة لزيادة هذا لأن اعتباره فيه ليس إلا ليفسخ بطلب أحدهما جبرًا على الآخر. وهذا يحصل [٣٧٣] باعتبار الرهن فيه، الذي هو من العقود المباحة. فأي داع لاعتبار الفاسد فيه وهو من العقود المحرمة (٦) .


(١) هو حمودة باشا باي. ١١٧٣ - ١٢٢٩. من أبرز ملوك (بايات) تونس. أنابه والده في الولاية ١١٩١، ثم استقل بها ١١٩٦. كانت له آثار ووقائع عمرانية تشهد بشجاعته ورجاحة عقله. ابن أبي الضياف: ٣/١٢ - ١١٦؛ الزركلي: ٢/٢٨٢.
(٢) وهذا دفعًا للخلط الواقع من الفقهاء والعامة في تطبيق الأحكام. وهو ما شكا منه الفقيه عبد الله بن بازرعه في رسالته إطلاق العقدة في مسائل العهدة من قوله: (وددت أنهم مشوا على ما يقوله أرباب المذاهب المذكورة في تفاريع ذلك، ليكون التقليد مستمرًّا في أصل المسألة وتفاريعها. وأما أخذ المسألة من مذهب المذكورين وأخذ تفاريعها من مذهب الشافعي رضي الله عنه فما كان ينبغي) عبد الرحمن بكير: ص١٤٧ - ١٤٨.
(٣) القاضي الحنفي العلامة الشيخ أحمد بن الخوجة الأول. مؤسس البيت الخوجي. وهو الجد الأعلى لصاحب النسخة الخوجية محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة الآستاني الشريف، والقاضي المالكي العلامة الشيخ أبو الفداء إسماعيل التميمي. نبه على ذلك أحمد ابن الخوجة الثاني كما في حاشية البيرمية والخوجية والرضوانية.
(٤) انظر القول السادس، البزازية: ٤/٤٠٧ - ٤٠٨.
(٥) البزازية: ٤/٤٠٩.
(٦) اختلف الشيوخ على التحقيق في إلحاق بيع الوفاء بالبيع الصحيح الجائز أو بالبيع الفاسد. فرجح الأول الذي ذهب إليه صاحب الرسالة جماعة وقالوا: إن إلحاقه بالصحيح أولى تقليلًا للفساد وترجيحًا لقول الإمام، وذهبت أخرى إلى أن إلحاقه بالفاسد أولى لأنه فاسد حقيقة لإلحاق الشرط الفاسد به وهو شرط الفسخ عند نقد الثمن. ومعلوم أن بيع الوفاء لم يصح في المنقول، وصح في العقار استحسانًا لا لأنه خال من المفسد. وإذا كان كذلك فإلحاقه بالفاسد أولى. اهـ. البزازية: ٤/٤٠٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>