للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خامسها: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات، على معنى أنه يعتبر رهنًا بالنسبة للبائع حتى يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين ويضمنها له المشتري بالهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن، وبيعًا باتًّا صحيحًا بالنسبة للمشتري في حق نزله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكنى وزراعة وإيجارًا (١) . وعلى هذا استقر عمل شيوخ النسفي على ما نقله عنه الزيلعي (٢) . وقال العمادي: وفتوى جدي شيخ الإسلام برهان الدين وأولاده ومشائخ زمانهم (٣) ، على أن الملك يثبت للمشتري شراء جائزًا في زوائد المبيع، ولا يغرم لو استهلكها. وعليه استقر قول أئمة زماننا وأستاذينا رحمهم الله [تعالى] (٤) .

ومراده (صاحب الهداية) بجده البرهان الإمام النبيل ذو الباع الطويل علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني صاحب الهداية. وناهيك به جبلًا من جبال العلم معدودًا في طبقة أهل

[٣٧١] الترجيح، مقرونًا بالقدوري (٥) وأضرابه، كما ذكره العلامة ابن كمال باشا (٦) .

وحجة هؤلاء في اعتباره على هذا الوجه احتياج الناس إليه وتعاملهم به، والقواعد تترك بالتعامل (٧) . ولهذا الوجه جاز الاستصناع (٨) ، مع أن قاعدة امتناع بيع المعدوم تأباه (٩) . وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع (١٠) ، ولا بدع في إعطائه حكم عقدين إذ كثير من العقود كذلك. (الهبة بعوض يشترط لها القبض وعدم كونها في مشاع.) فهذه الهبة بشرط العوض، والهبة في حال المرض، أعطي لكل منهما حكم الهبة من اشتراط القبض وعدم كونهما في مشاع قابل للقسمة (١١) . وأعطي للأولى حكم البيع عند القبض حتى ثبتت فيها الشفعة (١٢) ، (الهبة في المرض تخرج مخرج الوصية من الثلث) والثانية حكم الوصية حتى كان خروجها من الثلث (١٣) .

واعلم أن احتياج الناس للشيء وتعاملهم به أصلان كبيران في المذهب، كما يعلمه من خبره. فلذلك وقع من أهل الترجيح اختيار هذا القول فيه. فقد نقل الزيلعي عن صاحب النهاية (١٤) أن عليه الفتوى (١٥) ، وفي قاعدة الحاجة تتنزل منزلة الضرورة (١٦) من الأشباه (١٧) : (ومنها الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى وهكذا بمصر، وسموه بيع الأمانة، والشافعية يسمونه الرهن المعار (١٨) ، وهكذا سماه به في الملتقط) (١٩) .


(١) يتفق ما أورده المؤلف هنا مع القول السادس الذي ذكره البزازي حيث قال: (واختار البعض واختاره الشيخ الإمام فخر الدين الزاهد أن الشرط إذا لم يذكر في البيع نجعله صحيحًا في حق المشتري حتى ملك الإنزال، ورهنًا في حق البائع فلم يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره، وأجبر على الرد إذا حضر الدين لأنه كالزرافة مركب من البيع والرهن ... ) البزازية: ٤/٤٠٧ - ٤٠٨.
(٢) انظر الزيلعي: ٥/١٨٣، ١٨٤. وعبارة جامع الفصولين: (وقال شيخ الإسلام برهان الدين ومشائخ زمانه إن المشتري يملك زوائد المبيع ولا يضمنها بإتلافها) . الجامع: ١/٢٣٧.
(٣) نخ. دينهم. ر.
(٤) انظر العمادية: ١٠٤ أ.
(٥) هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان. ٣٦٢ - ٤٢٨. فقيه انتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة. له شرح مختصر الكرخي، والتقريب الأول، والتقريب الثاني، والتجريد. ومن أهم مصنفاته المختصر المشتمل على اثنتي عشرة ألف مسألة، وعليه شروح كثيرة معتبرة. الكشف: ص١٦٣١؛ كحالة: ٢/٦٦.
(٦) هو القاضي شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا: ٩٤٠/١٥٧٤. قاضي القسطنطينية ومفتيها. له إيضاح الإصلاح في الفقه، وتغيير التنقيح في الأصول، ومجموعة رسائل، وطبقات الفقهاء. الفوائد البهية: ص٢١؛ الزركلي: ١/١٣٣؛ كحالة: ١/٢٣٨.
(٧) انظر أحمد الزرقاء: ٣٦/٣٧، ١٦٥ - ١٦٩.
(٨) هو عقد على مبيع في الذمة مطلوب صنعته على أوضاع وشروط تم الاتفاق عليها في العقد في نظير عن معلوم. الموسوعة الفقهية المصرية: ٩/٩٠.
(٩) ورد النهي في السنة عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم. والاستصناع لا يجوز قياسًا، وهو جائز استحسانًا لإجماع الناس على ذلك. فهم يفعلون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ". والقياس يترك بالإجماع. الكاساني: ٥/٢ - ٣.
(١٠) أحمد الزرقاء: القاعدة ١٧/ المادة ١٨، ١١١ - ١١٢؛ القاعدة: ٢٠/٢١، ١٣١.
(١١) نخ: القسمة في ب، ر. وأما قوله اشتراط القبض فيهما فلأن الهبة لا تكون إلا محوزة مقبوضة، وأما شرط عدم كونهما في مشاع فلأن الهبة لا تجوز في مشاع قابل للقسمة، وتجوز فيما هو غير قابل لها، خلافًا للشافعي الذي أجاز هاتين الصورتين. ودليل الحنفية إجماع الصحابة، وكون الشيوع يمنع من القبض أي من التمكن من التصرف في المقبوض. الكاساني: ٦/١١٥، ١١٩ - ١٢٠. ودليل قول الشافعي أن القبض في هبة المشاع يصح كالقبض في المبيع المشاع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وقد جاءوا يطلبون ما غنمه منهم: "مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ" المهذب: ١/٤٤٦.
(١٢) الهبة بشرط العوض تقع هبة ابتداءً وبيعًا انتهاءً إذا اتصل القبض بالعوضين. واعتبارًا للوصف الأول يشترط التقابض في العوضين، ولا يصح الرجوع في الهبة. وإن لم يوجد فلكل من الطرفين الرجوع، وكذا لو قبض أحدهما فقط. واعتبارًا للوصف الثاني ترد بالعيب وخيار الرؤية وتؤخذ بالشفعة. رد المختار: ٤/٥١٨. والهبة بشرط العوض إذا ذكرها الواهب بلفظ "على" تكون هبة ابتداءً فإن قال: وهبتك "بكذا" فهي بيع ابتداءً وانتهاءً. شرح المجلة: ص٤٦٩ - ٤٧٠.
(١٣) تصح الهبة للأجنبي في المرض إذا خرج الموهوب من الثلث أجازها الورثة أو لا. فإن أجازها الورثة بكاملها صحت وإن لم يجيزوها تنفذ من الثلث فقط. عن التنوير. شرح المجلة: ص٤٨٤.
(١٤) هو الإمام حسام الدين حسين بن حجاج بن علي السغناني. ٧٧١. فقيه أصولي متكلم. وله الكافي شرح البزدوي في أصول الفقه، والتمهيد لقواعد التوحيد، والنهاية وهو أول شرح للهداية وأبسطها وأشملها. احتوى على مسائل كثيرة وفروع لطيفة. الكشف: ص٢٠٣٢؛ والقرشي: ٢/١١٤ - ١١٦، ٥٠٧؛ وكحالة: ٤/٢٨.
(١٥) الزيلعي: ٥/١٨٤.
(١٦) انظر أحمد الزرقاء: القاعدة ٣١/ المادة ٣٢، ١٥٥.
(١٧) هو الأشباه والنظائر في القواعد للعلامة زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن نجيم ٩٧٠، فقيه جليل وأصولي. أخذ فيه وفي البحر عن التاتارخانية، وقسمه إلى سبعة فنون وهو آخر تأليفه. وقد اعتنى الفقهاء بهذا الكتاب فوضعوا عليه شروحًا كثيرة واعتمدوه في كثير من مصنفاتهم. عليه تعليقات علي بن غانم، وبجري زادة، وعزمي زادة وغيرهم، وحاشية للتمرتاشي زواهر الجواهر النضائر، ونزهة النواظر لابن عابدين، وشروح: تنوير الأذهان والضمائر لمصطفى بن خير الدين الرملي، وغمز عيون البصائر للحموي، ونزهة النواظر لخير الدين الرملي، كما عليه ترتيبات كثيرة. ولابن نجيم شرح منار الأنوار في الأصول وكتاب البحر الرائق في شرح كنز الدقائق، وحاشية على جامع الفصولين، والتحفة المرضية في الأراضي المصرية، والفتاوى الزينية. واللكنوي: ص١٣٤؛ البغدادي: ١/٣٧٨؛ محمد مطيع حافظ. مقدمة الأشباه: ص٥ - ١٨.
(١٨) هذه الجملة: "الحاجة تتنزل منزلة الضرورة" وردت ذيل القاعدة الخامسة "الضرر يزال" من كتاب الأشباه: ص١٠٠.
(١٩) هو الملتقط في الفتاوى الحنفية للإمام ناصر الدين أبي القاسم محمد بن يوسف الحسني السمرقندي. ٥٥٦. رتبه الإمام الزاهد جلال الدين محمد بن حسين بن أحمد الأسروشني بسمرقند. الكشف: ص١٨١٣؛ وبعد ذكر هذا المرجع قال ابن نجيم: وقد ذكرنا في شرح الكنز من باب خيار الشرط. وفي القنية والبغية أنه يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح. الأشباه: ص١٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>