لكن صلوحية هذا لذلك ليس ببين، ولا هو من الأمر الهين. فلذلك اختلفت فيه أنظار من ظهر في عصرهم من نوادر الدهر، وحاملي لواء المذهب النعماني بما وراء النهر، كالإمام النسفي الكبير (١) ، والصدر الشهيد (٢) ذي الصيت الشهير، وصاحب الهداية (٣) ، المسلم له إمامة الرواية والدراية، وأولاده الأئمة الأعلام (٤) ، ونظرائهم من شيوخ الإسلام من كل طود شامخ، له في باب الترجيح قدم راسخ. ولعمري إن الدهر بمثلهم لعقيم. فقبله منهم قوم ورده آخرون، على ما سنقص عليك، إن شاء الله تعالى، من نقل مذاهبهم فيه.
وأما الفصول
فأولها فيما يرجع الوفاء إليه من العقود
وقد كثر في ذلك القيل والقال حتى أنهى البزازي في جامعه خلافهم في ذلك إلى تسعة أقوال القول الأول أنه رهن. وبه قال أبو شجاع وابنه والسغدي والماتريدي والقاضي الإمام الأمير؛ القول الثاني أنه بيع صحيح. رواه الكشي. وعليه اتفاق مشائخ الزمن بسمرقند؛ القول الثالث أنه بيع جائز وإذا جرى بلفظ البيع فلا يكون رهنًا، وإن عقداه وفاء وشرطا الرد في العقد تفسخ، أو تلفظا بالبيع الجائز فالبيع غير لازم عند الصاحبين وهو فاسد، وإذا ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكراه على المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء؛ القول الرابع بيع فاسد إذا اشترطا الرد في العقد وكذا بعده عند الإمام؛ القول الخامس إذا أطلق البيع ووكل المشتري وكيلًا بفسخ العقد إذا أحضر البائع الثمن، أو تعهد بالفسخ عند الوفاء، وكان بالثمن غبن فاحش أو وضع المشتري على الأصل ربحًا فرهن، وإن كان بلا وضع ربح أو بغبن يسير فبيع بات. وبهذا أخذ أئمة خوارزم؛ القول السادس أنه مركب من بيع ورهن وهو قول الشيخ الإمام الفخر الزاهد وإذا باع المشتري من غيره صح البيع الثاني عند الأكثر لسابق تسليم البائع الأول المبيع إلى المشتري برضاه؛ القول السابع أن البيع الثاني لا يصح وهو اختيار علاء الدين بدر وقول صاحب الهداية وأولاده ومشائخ عصره وبه الفتوى؛ القول الثامن مختلف بين كونه بيعًا فاسدًا أو بيعًا صحيحًا أو رهنًا وذلك فيمن باع عقاره خائفًا بمائة مثقال ذهبًا ثم باع هذا الذهب من مشتري العقار بمائة مثقال فضة نقدًا لحيلة الربح ثم فسخ الوفاء في العقار يرد الذهب المذكور في العقد لا الفضة المقبوضة؛ القول التاسع في الملك يثبت للمشتري في الزوائد ولا يضمنها بالإتلاف وفي هذا تفصيل واختلاف أحكام لكن المعتد به منها ما ذكرناه وهو قول صاحب الهداية وأولاده ومشائخ العهد.
(١) هو مفتي الثقلين نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي السمرقندي: ٤٦١ - ٥٣٧. والمفسر الحافظ المحدث الفقيه المتكلم شيخ المرغيناني صاحب الهداية. له مجمع العلوم، والتيسير في تفسير القرآن، وشرح صحيح البخاري، ونظم الجامع الصغير. القرشي: ٢/٦٥٧، ١٠٦٢؛ واللكنوي: ص١٤٩؛ وكحالة: ٧/٣٠٦. (٢) هو الإمام أبو محمد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن عمر مازة: ٤٨٣ - ٥٣٦. فقيه أصولي. تفقه على والده، وتفقه به أبو محمد عمر بن محمد العقيلي. له الفتاوى الكبرى والفتاوى الصغرى، وعمدة المفتي والمستفتي، وشرح أدب القاضي للخصاف، وشرح الجامع الصغير للشيباني، والواقعات الحسامية. اللكنوي: ١٤٩؛ القرشي: ٢/٦٤٩ - ٦٥٠؛ الزركلي: ٥/٥١؛ كحالة: ٧/٢٩١. (٣) هو العلامة المحقق الإمام الفقيه المحدث المفسر: ٥٩٣. رحل وسمع ولقي المشايخ وجمع لنفسه مشيخة. تفقه على جماعة منهم مفتي الثقلين نجم الدين النسفي، وأخذ عن الصدر الشهيد وعن ضياء الدين محمود بن الحسن البندنجي وعن أبي عمرو وعثمان البيكندي وعن قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد البخاري، وتفقه عليه أولاده جلال الدين محمد ونظام الدين عمر، وكذلك عماد الدين بن أبي بكر بن علي المرغيناني وغيرهم من الفحول. وله المنتقى، ونشر المذهب والتجنيس، والمزيد، ومناسك الحج، ومختارات النوازل، وكتاب في الفرائض. ومن أجود ما صنف الهداية جمع فيها وشرح بها مختصر القدوري والجامع الصغير. وأصل الهداية بداية المبتدي ثم شرحه واف بخلاصة أسرار الحاوي، كاف في إحاطة الحادثات، شاف في أجوبة الواقعات. القرشي: ٢/٦٢٧ - ٦٢٩، ١٠٣٠؛ اللكنوي: ١٤١ - ١٤٤؛ العيني. البناية: ١/٦. (٤) هم شيخ الإسلام جلال الدين محمد، ونظام الدين عمر، وعماد الدين. أبو بكر التهانوي. مقدمة إعلاء السنن: ٣/١٧٧؛ اللكنوي: ص١٤٦، ١٨٢؛ القرشي: ٢/٦٥٧، ١٠٦١؛ ٣/٢٧٧، ١٤٣٢؛ ٤/٤٩٠.