للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقدمة

في بيان اسمه ومسماه

أما الاسم فاختلف عليه باختلاف الأعصار والأمصار. فبسمرقند (١) بيع الوفاء وبه اشتهر في كتبنا.

وربما أطلق عليه فيها البيع الجائز (٢) ، وإن كانوا يطلقونه فيها على البات الصحيح. لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الأول.

كما يطلقون عليه فيها بيع المعاملة (٣) .

وبمصر، على ما ذكره الزيلعي، بيع الأمانة (٤) .

وبتونس لدى عامتها، كعامة سمرقند: الرهن. فيقولون في مقام طلبه: ارهن لي. وفي مقام الإخبار عنه: رهنت ملكي فلانًا، ورهنت ملك فلان. ولا يعرفون: ارتهنت. وكذلك في مقام إنشائه، حتى إذا أرادوا الرهن المحض زادوا لفظ توثقة أو ما يقوم مقامه. وعند خاصتها من الموثقين "التسليم". ومن قبل كانوا يعبرون عنه بما يعبرون به عن البيع البات. فلما صار بعض شراة الوفاء يدعي في شرائه البت، ويتمسك في الاحتجاج لدعواه بالرسم، فيلفي بظاهره شاهدًا له، أحدثوا له ذلك الاسم (٥) .

حقيقة بيع الوفاء

وأما المسمى فعقد وضع للتوثق للدين والانتفاع بالعين (٦) .

واعلم أنه لما كان الغالب على الناس في عصر المجتهدين وما قرب منه

[٣٦٦] قصد النفع الأخروي حتى كان المقرض منهم يُقرض لوجه الله عز وجل، لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود. فلما انقلبت الأوضاع، وغلب حب الدنيا على الطباع، وصار الإنسان، كما قال صاحب الفصول: لا يقرض غيره شيئًا كثيرًا من ماله من غير أن يطمع بحصول (٧) نفع مالي، أحدثوه، تحيلًا لتحصيل الأرباح بطريق مباح. وأظن أن مبدأ ظهوره كان بسمرقند، لأن أكثر الكلام فيه للسمرقنديين.


(١) مدينة مشهورة بما وراء النهر من بلاد خراسان. قصبة الصغد (أزباكستان) . وهي من مدن الإسلام العظيمة فتحها سعيد بن عثمان والي خراسان من قبل معاوية: ٥٥، ثم غزاها قتيبة بن مسلم ٧٧، وبها صنع الكاغد. وإليها ينسب الإمام ركن الدين العميدي. وبها انتشر المذهب الحنفي وتخرج فيه جماعة من العلماء والأئمة الفقهاء. ياقوت. معجم البلدان.
(٢) تعليق للشيخ محمد ابن الخوجة الأكبر. يحيل فيه على فصل عزل الوكيل من البحر. قال: "والبيع الجائز هو بيع الوفاء اصطلاحًا". ابن نجيم: ٧/١٩٠. ج.
(٣) الفتاوى الهندية: ٣/٢٠٩.
(٤) وبهذا الاسم عرف عند الحنابلة. البهوتي. كشاف القناع: ٣/١٤٩ - ١٥٠. وبه عرف أيضًا بمصر، الزيلعي: ٥/١٨٤.
(٥) وأطلق على بيع الوفاء بيع العهدة عند الشافعية. عبد الرحمن باعلوي. بغية المسترشدين: ص١٣٣؛ والرهن المعاد. ابن نجيم، الأشباه: ص١٠٠؛ وبيع الثنية عند المالكية. الحطاب. مواهب الجليل: ٤/٣٧٣؛ وبيع الإقالة. التسولي. البهجة في شرح التحفة: ١/٦١؛ وبيع الطاعة عند الحنابلة؛ الموسوعة الفقهية الكويتية: ٩/٢٦٠. وفي استعمال عامة أهل الشام القعيدة، وعند ابن حجر الهيتمي: بيع الناس، وعند الزيدية بيع الرجاء، وعند الإمامية بيع الخيار. ابن حجر؛ والفتاوى الكبرى: ٢/١٥٣، ١٥٧، ٢٢٩؛ عبد الستار أبو غدة. الخيار: ٢/٧٧٤.
(٦) وعرف بيع الوفاء صاحب معين الحكام بقوله: (هو العقد الذي شرط فيه الإقالة إذا رد البائع الثمن) . الطرابلسي: ص١٤٦. وصورته كما ينقله صاحب الكفاية عن المحيط: (يقول البائع للمشتري بعت منك هذه العين بما لك عليّ من الدين على أني متى قضيت فهو لي) . وجاء في العناية: (هو أن يقول بعت منك هذه بكذا على أني إذا دفعت إليك ثمنك تدفع العين إليّ) . البنشانجي: ٧٣ ب.
(٧) نخ. في حصول. ج.

<<  <  ج: ص:  >  >>