واستدلُّوا على عدم اعتبار كون الدين معلومًا لصحة الكفالة به بقوله تعالى:{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}(١) ، حيث أجاز المولى سبحانه الكفالة بحمل البعير، وهو غير معلوم، لأنه يختلف باختلاف المحمول عليه، فيحتمل الزيادة والنقصان بحسب قوة وضعف المحمول عليه قالوا: ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول كالإقرار والنذر. ولأنه يصح تعليقه بغرر وخطر – وهو ضمان العهدة – إذا قال: ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه. أو قال: ادفع ثيابك إلى هذا الرفاء، وعليَّ ضمانها، فيصح في المجهول، كالطلاق والعتاق.
واحتجُّوا لصحة ضمان ما لم يجب إذا آل الوجوب بالآية الآنفة الذكر، حيث دلت على ضمان حمل البعير، مع أنه لم يكن واجب. قالوا: فإن قيل الضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين، فإذا لم يكن على المضمون عنه حق فلا ضم فيه، فلا يكون ضمانًا؟! أجيب: بأنه قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه، ويثبت في ذمته ما يثبت فيها، وهذا كافٍ.
(والثاني) للحنفية، وهو أنه يشترط في الدين المكفول به أن يكون صحيحًا ثابتًا في الذمة، سواء أكان معلومًا أو مجهولًا. ومرادهم بالدين الصحيح " ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ".
قالوا: وإنما صحت الكفالة مع جهالة المال، لا بتنائها على التوسع، فإنها تبرع ابتداء، فيتحمل فيها جهالة المال المتعارفة.
وعلى ذلك نصوا على عدم صحة الكفالة عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة، لأنه ليس دينًا صحيحًا، لأن المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز.
كما نصُّوا على أن من الدين الضعيف الذي يسقط بدون الأداء أو الإبراء:
دين الزكاة، فلا تصح الكفالة به عندهم، لأنه يسقط بالموت وبهلاك المال (٢) .
(١) الآية ٧٢ من سورة يوسف. (٢) رد المحتار: ٤/٢٦٣، وما بعدها؛ وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه: ٤/١٥٢ وما بعدها؛ وبدائع الصنائع: ٦/٨؛ وتحفة الفقهاء: ٣/٤٠٠؛ ومجمع الأنهر والدر المنتقى: ٢/١٣٠؛ وقد جاء في م (٨٥٢) من مرشد الحيران " تصح الكفالة بالمال، سواء أكان معلومًا أو مجهولًا، وإنما تصح بالدين الصحيح الثابت في الذمة، وهو ما لا يسقط إلَّا بالأداء أو الإبراء ". وجاء في م (٨٥٣) منه أيضًا: " لا تصح الكفالة بالدين غيرالصحيح إلَّا بدين النفقة المقدرة للزوجة بالتراضي أو بأمر القاضي ". وعلَّلوا هذا الاستثناء بأنه استحسان للحاجة. انظر م (٦٣١) من مجلة الأحكام العدلية، وشرح المجلة، للأتاسي: ٣/٢٤ وما بعدها.