٢٥ –لا خلاف بين الفقهاء في أن عقد الرهن إنما شرع لتوثيق الديون في الذمم، غير أنهم اختلفوا في شروط الدين الذي يصح الارتهان به على أربعة أقوال:
(أحدهما) للحنفية: وهو أنه يشترط أن يكون ذلك الدين ثابتًا في الذمة وقت الرهن (١) . أو موعودًا به، بأن رهن شيئًا ليقرضه ألفًا مثلًا، فالرهن صحيح (٢) .
قال الزيلعي:(لأن الموعود جعل كالموجود باعتبار الحاجة، بل جعل موجودًا اقتضاء، لأن الرهن استيفاء، والاستيفاء لا يسبق الوجوب؛ بل يتلوه فلا بد من سبق الوجوب ليكون الاستيفاء مبنيًا عليه. ولأنه مقبوض بجهة الرهن الذي يصح على اعتبار وجوده فيعطى له حكم المقبوض على سوم الشراء)(٣) .
(والثاني) للحنابلة: وهوأنه يشترط في الدين المرهون به أن يكون واجبًا في الذمة وقت الرهن – كبدل قرض وثمن مبيع وقيمة متلف – أو مآله إلى الوجوب، كثمن في مدة خيار (٤) . ذلك أن الرهن لا يخلو من ثلاثة أحوال:
(أ) أن يقع بعد وجوب الدين في الذمة، ولا خلاف في جوازه. قال ابن قدامة:(لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجازأخذهما به كالضمان. ولأن الله تعالى قال:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
فجعله بدلًا عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق، وفي الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} فجعله جزاء للمداينة مذكورًا بعدها بفاء التعقيب) (٥) .
(ب) أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين، مثل أن يقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهرعلى أن ترهنني بها دابتك هذه فيقول: قبلت ذلك. وهو صحيح أيضًا. قال ابن قدامة:(لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترط فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق)(٦) .
(١) سواء أكان واجبًا ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط كثمن خل وُجد خمرًا، وثمن ذبيحة وجدت ميتة، وبدل صلح عن إنكار ثم تصادقا على أن لا دين، فإن الدين وجب ظاهرًا حين الرهن، وهو كاف لصحته، فالرهن به مضمون على المختار (شرح المجلة، للأتاسي: ٣/١٤٣، وانظر: مجمع الأنهر: ٢/٥٩٤؛ وتبيين الحقائق: ٦/٧١؛ وم (٩٧٧) من مرشد الحيران) . وعلى ذلك يصح الرهن برأس مال السلم وثمن الصرف والمسلم فيه خلافًا لزفر: (تبيين الحقائق: ٦/٧٢) . (٢) وعلى ذلك، فلو هلك هذا الرهن كان مضمونًا عليه بما وعد من الدين، حيث إنه يعد مقبوضًا على سوم الرهن (انظر: تفصيل أحكامه في تبيين الحقائق: ٦/٧١؛ ومجمع الأنهر: ٢/٥٩٤؛ وشرح المجلة، للأتاسي:٣/١٤٤؛ ودرر الحكام، لعلي حيدر: ٢/٨٩) . (٣) تبيين الحقائق: ٦/٧١. (٤) أمَّا إذا لم يكن واجبًا أو آيلًا للوجوب في الذمة، فلا يصح الرهن به، وعلى ذلك قال الحنابلة لا يصح أخذ الرهن بالدية على عاقلة قبل مضيِّ حول، ولا بجُعل في جعالة قبل العمل، لعدم وجوب كل من الدينين وعدم تحقق مآلهما إليه، بخلاف الرهن بالدية على العاقلة بعد الحول، وبالجعل بعد العمل، فإنه يصح لاستقرار الدينين في الذمة (انظر: شرح منتهى الإرادات: ٢/١٣١، ١٣٢؛ وكشاف القناع: ٣/٣١١؛ وم (٩٥٤) (٩٥٥) (٩٥٧) (٩٥٨) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد؛ والمبدع؛ ٤/٢١٥) . (٥) المغني، لابن قدامة: ٤/٣٦٣؛ وانظر: المبدع: ٤/٢١٤. (٦) المغني: ٤/٣٦٣؛ وانظر المبدع: ٤/٢١٤.