للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٢ – وذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة على الراجح (٣) عندهم إلى أنه يشترط القبض في لزم الرهن. وعلى ذلك يكون للراهن قبل القبض أن يرجع عنه أو يسلمه.

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} حيث إن المصدر المقرون بحرف الفاء في جواب الشرط يراد به الأمر، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون ذلك الوصف شرطًا فيه، إذ المشروط بصفة لا يوجد بدون تلك الصفة. ولأن الرهن عقد تبرع، إذ لا يستوجب الراهن بمقابلته على المرتهن شيئًا، ولهذا لا يجبر عليه، فلابد من الإمضاء بعدم الرجوع، والإمضاء يكون بالقبض.

٣ – وذهب المالكية إلى أن الرهن يلزم بالعقد، لكنه لا يتم إلا بالقبض، وللمرتهن حق المطالبة بالإقباض ويجبر الراهن عليه أما لزومه بالعقد، فلأن قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} أثبتها رهانًا قبل القبض. وأما إلزام الرهن بالإقباض فلأن قوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} (٤) . دليل على إلزام الراهن بتسليم المرهون وفاء بالعقد. (٥)

وبالنظرفي هذه المذاهب وأدلتها نجد أن كل مذهب منها اعتمد على قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، احتجَّ به على رأية ومقولته، مع أن الآية إنما وصفت الرهن بكونه مقبوضًا وحسب، وذلك يقتضي أن يكون القبض شرطًا فيه، وليس في الآية ما يدل على كونه شرط صحة أو شرط لزوم أو شرط تمام، حتى يترجح بدلالتها أحد هذه المذاهب على غيره.. لذا وجب البحث عن مرجح آخر. وإننا لو نظرنا إلى طبيعة عقد الرهن، لوجدنا أن معنى الإرفاق والمعونة عليه غالب، لأن الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئًا. وهذا المعنى قد يرجح كون حكم القبض فيه مماثلًا لحكمه في عقود الإرفاق الأخرى – كالقرض والهبة والصدقة – وهو أنه شرط لزوم فيها على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.


(١) رد المحتار: ٥/٣٠٨؛ وروضة القضاة للسمناني: ١/٤١٨؛ وانظر: م (٧٠٦) من المجلة العدلية وم (٩٧٨) من مرشد الحيران، وتبيين الحقائق للزيلعي: ٦/٦٣.
(٢) مغني المحتاج: ٢/١٢٨؛ والمهذب: ١/٣١٢؛ والتنبيه للشيرازي: ص٧٠؛ والروضة: ٤/٦٥؛ وكفاية الأخيار: ١/١٤٣؛ وفتح العزيز: ١٠/٦٢؛ والأم ٣/ ١٣٩؛ والأشباه والنظائر، للسيوطي: ص٢٨٠.
(٣) المغني: ٤/٣٦٤؛ وشرح منتهى الإرادات: ٢/٢٣٢؛ والمحرر: ١/٣٣٥؛ وكشاف القناع:٣/٣١٧؛ وانظر: م (٩٩٦) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الحنابلة للقاري.
(٤) الآية الأولى من المائدة.
(٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٣/٢٣١؛ والقوانين الفقهية: ص٣٥٢؛ والإشراف على مسائل الخلاف: ٢/٢؛ والمنتقى، للباجي: ٥/٢٤٨، كفاية الطالب الرباني: ٢/٢١٦؛ وشرح التاودي على التحفة: ١/١٦٨؛ وبداية المجتهد: ٢/٢٣٠؛ والتسهيل لابن جزي: ١/٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>