للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(ج) ما يشترط لصحة التوثيق به:

٢٣ – لقد دل قوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} على اشترط القبض لصحة التوثيق في الرهن، لأن معنى الوثيقة لا يحصل إلا به. قال الإمام الشافعي (فلما كان معقولًا أن الرهن غير مملوك للمرتهن ملك البيع ولا مملوك المنفعة له ملك الإجارة لم يجز أن يكون رهنًا إلَّا بما أجازة الله عزَّ وجلَّ به أن يكون مقبوضًا) (١) . من أجل ذلك ذهب سائر الفقهاء إلى اشتراط قبض المرهون، غير أنهم اختلفوا في نوع هذا الشرط على ثلاثة أقوال:

١ – فذهب الظاهرية (٢) . والجصاص من الحنفية إلى أنه يشترط لصحة الرهن قبض العين المرهونة. قال الجصاص: " وقوله: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضًا من وجهين:

أحدهما: أنه عطف على ما تقدم من قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبًا، وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة، فلا يصح إلَّا عليها، كما لا تصح شهادة الشهود إلَّا على الأوصاف المذكورة، إذ كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب.

والوجه الثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازته بهذه الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها، إذ ليس ههنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية، ويدل على أنه لا يصح إلَّا مقبوضًا أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها. وإنما جعل وثيقة له، ليكون محبوسًا في يده بدينه، فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء. ومتى لم يكن في يده كان لغوًا لا معنى فيه، وهو وسائر الغرماء فيه سواء، ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسًا بالثمن ما دام في يد البائع، فإن هو سلَّمَه إلى المشتري سقط حقه، وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه) (٣) .


(١) الأم: ٣/١٣٩.
(٢) المحلى: ٨/٨٨.
(٣) أحكام القرآن للجصاص:١/٥٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>