رافع للخلاف محله: أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم؛ لأنه في جملة أفراده وقد جاء وقته. وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه. وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم بالصحة أقوى من الموجب لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة فأغنى بذلك عن إعادته. والله سبحانه وتعالى أعلم (١) .
وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه وحكم الشافعي بموجب شراء الدار التي لها جار يمنع الحنفي من الحكم بجواز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المستأجر بانفساخها (٢) ، وحكم الحنفى أو المالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزوج بها. والفرق بين المسائل ما قدمناه: من أن الحكم في الصورتين الأولتين على الشيء بعد وجوده ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه، وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيهما إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه. ولنذكر مثالاً آخر فيه توقف وهو: ما إذا وقف إنسان وقفاً وجعل لنفسه التغيير (٣) فيه والزيادة فيه والنقص منه وحكم حنفي بموجبه ثم وقع منه التغيير هل للشافعي المبادرة بعد التغير إلى الحكم بإبطاله؟ يحتمل أن يكون كالمسألتين الأولتين فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه منه ولا الحكم بإبطاله لو وقع، ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛ لأن التغيير إلى الآن لم يقع ولا يلزم من إذن الحنفي له في التغيير وقوعه فقد يغير وقد لا يغير فلا يدخل
(١) في أوب: والله أعلم. (٢) في أ: بانقسامها. (٣) فى ج: التعيين.