فإن قيل: لم أجيز طلاق السفيه دون عتقه وكل منهما إتلاف. بدليل ما لو شهد اثنان على رجل بطلاق قبل الدخول وأمضى الحاكم الحكم بشهادتهما ثم رجعا فأنه ما يغرمان نصف المسمى؟
فالجواب: أن الطلاق ليس بإتلاف؛ لأن الزوج لا ينفذ في زوجته بيعه إياها،
ولا هبته لها، ولا تورث عنه إذا مات فليست بمال. والرقيق بخلاف ذلك.
وغُرْمُ الشاهدين إنما هو لأجل تفويت الاستمتاع بما أوقعا من الحيلولة وإن
لم يتلفا مالاً؛ كما لو شهدا بما يوجب القود ثم بعد الاستيفاء قالوا: أخطاً نا. فأنه ما يغرمان الدية وإن لم يكن الحق مالاً.
وأيضاً فإن الطلاق يستفاد به قبل الدخول نصف المسمى وبعده سقوط النفقة. فلم يجز أن يمنع من هذه الفائدة ويجبر على التزام النفقة.
وأيضاً فالسفيه يدخل في عموم قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: ٢٣٠].
وقوله صلى الله عليه وسلم: " الطلاق لمن أخذ بالساق " (١) .
ولأن السفيه أحسن حالاً من العبد؛ لحريته وثبوت ملكه فلما صح طلاق العبد بلا أذن سيده مع منعه في التصرف في المال. فأولى أن يصح طلاق السفيه.
(ويستقل) السفيه (بما) أي: بفعل (لا يتعلق بالمال مقصوده)؛ كالطلب بحد القذف ونحوه.
(وإن أقر بحد) أي: بما يوجب الحد؛ كالقذف والزنا، (أو) أقر بـ (نسب أو طلاق أو قصاص: أُخذ به في الحال).
قال ابن المنذر: هو إجماع من نحفظ عنه؛ لأنه غير متهم في نفسه. والحجر إنما يتعلق في ماله فيقبل على نفسه.
والطلاق ليس بتصرف في المال لما تقدم. فلا يمنع؛ كالإقرار بالحد.
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٠٨١ ٢) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب طلاق العبد