قَالَ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ هَذَا الْمَوضع لما حكاه لأصحابه: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى (١)، لَوْلَا أَنَّهُ عَجِلَ، لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ (٢)، {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}، وَلَوْ صَبَرَ لَرَأَى الْعَجَبَ.
{فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} لِئَامًا، فَطَافَا فِي الْمَجَالِسِ فَـ {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}، مَائِلٌ {فَأَقَامَهُ} أَوْمَأَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا (٣) فَاسْتَقَامَ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ الْجَهْدِ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ؟ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}؟ (٤). قَالَ الخضر: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}، فَأَخَذَ مُوسَى - عليه السلام - بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، فَقَالَ: حَدِّثْنِي، قال: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (٥) فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ وَجَدَهَا مُنْخَرِقَةً فيَدَعَهَا لِعَيْبِهَا، فَإِذَا جَاوَزُوا، أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا، {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} وَأَمَّا الْغُلَامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} بأَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ، أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدَلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} هُمَا بِهِ أَرْحَمُ مِنْهُمَا بِالْأَوَّلِ. فَوَقَعَ أَبُوهُ عَلَى أُمِّهِ، فَعَلِقَتْ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، {وَأَمَّا الْجِدَارُ، فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا (٦)، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا، وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذَلِكَ تَأوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}. (٧)
(١) قَالَ أُبَيٌّ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا. .(٢) استحياء لتكرار مخالفته.(٣) وَأَشَارَ سُفْيَانُ -راوي الحديث- كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ.(٤) قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْر: أَجْرًا نَأكُلُهُ.(٥) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يَقْرَأُ: {وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا}.(٦) قال ابن عباس رضي الله عنه: حفظهما بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاحاً.(٧) قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute