{وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً}(١) وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النّفس وزنينا، ولولا هذه الآية لاتّبعناك، فنزل {إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً}(٢) الآية، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشيّ وأصحابه، فلمّا قرءوها كتبوا إليه: إنّ هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية، فنزل قوله: {(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)} فبعث بها إليهم فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة، فنزل قوله تعالى:{قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}(٣) فبعث بها إليهم فوجدوها أوسع ممّا كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ثمّ قال صلى الله عليه وسلم لوحشي:[أخبرني كيف قتلت حمزة؟] فلمّا أخبره، قال له:[ويحك! غيّب وجهك عنّي] فلحق وحشيّ بالشّام فكان فيها إلى أن مات. قالوا: مات وفي بطنه الخمر (٤).
قال تعالى:{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً}(٤٨)؛أي ومن يشرك بالله سواه فقد اختلق على الله ذنبا عظيما غير مغفور له.
قوله عزّ وجلّ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ؛} قال ابن عبّاس: (نزلت هذه الآية في بحرى بن عمرو ومرحب بن زيد؛ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما طائفة من اليهود بأطفالهم؛ فقالوا: يا محمّد؛ هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال:[لا] فقالوا: والّذي نحلف به؛ ما نحن إلاّ كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالنّهار إلاّ كفّر عنّا باللّيل، وما من ذنب نعمله باللّيل إلاّ كفّر عنّا بالنّهار.
فهؤلاء الّذين يزكّون أنفسهم، برّءوها من الذّنوب، وزعموا أنّهم أزكياء) (٥).يقول الله تعالى: {(بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ)} أي يطهّر من الذنوب من يشاء من كان أهلا لذلك.
(١) الفرقان ٦٨/،٦٩. (٢) الفرقان ٧٠/. (٣) الزمر ٥٣/. (٤) قصة وحشي أخرجها البخاري في الصحيح: كتاب المغازي: باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: الحديث (٤٠٧٢)،وفيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم له: [غيّب وجهك عنّي]. (٥) في أسباب النزول: ص ١٠٣؛نقله الواحدي عن الكلبي. وينظر: اللباب في علوم الكتاب: ج ٦ ص ٤١٩.