قوله تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ؛} أي وليس قبول التوبة للذين يعملون المعاصي مقيمين عليها حتّى إذا عاين أحدهم أسباب الموت والسّوق والنّزع ومعاينة الموت، قال: إنّي تبت الآن، ولا على الّذين يموتون على الكفر، {أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ؛} هيّأنا لهم، {عَذاباً أَلِيماً}(١٨)؛ مؤلما وهو النار التي مصيرهم إليها.
وذهب الربيع إلى أنّ المراد بالذين يعملون السيئات: المنافقون، ثم عطف الكافرين المجاهرين بالكفر على المنافقين. وحاصل هذه الآية أنّ من وقع في النّزع وقال: إنّي تبت الآن، فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه، ولا من عاص توبته، وقوله:
ولا الّذين يموتون موضع خفض.
قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً؛} الآية، قال ابن عبّاس:(كانوا في الجاهليّة وأوّل الإسلام إذا مات رجل وله امرأة؛ جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته الّذي يرثه، فألقى ثوبه على تلك المرأة فورث نكاحها بصداق الأوّل، يقول: أنا وليّ زوجك فورثتك، فإن كانت جميلة أمسكها ودخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي بنفسها منه بما ترث من الميّت أو تموت فيرثها، فإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فهي أحقّ بنفسها.
فكانوا يفعلون ذلك حتّى توفّي أبو قيس بن الأسلت، وترك امرأته كبشة بنت معن الأنصاريّة، فقام لها ابن من غيرها يقال له حصين بن أبي قيس؛ فطرح ثوبه عليها فولي نكاحها ثمّ تركها ولم يقربها ولم ينفق عليها فضارّها بذلك لتفتدي منه بمالها، فأتت كبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إنّ أبا قيس توفّي وورث ابنه نكاحي؛ وقد أضرّني وطوّل عليّ، فلا هو ينفق عليّ، ولا هو يخلي سبيلي، فقال صلى الله عليه وسلم:[أقعدي في بيتك حتّى يأتيني فيك أمر الله] فانصرفت، وسمع بذلك نساء المدينة، فأتينا رسول الله عليه السّلام فقلن: يا رسول الله؛ ما نحن إلاّ كهيئة كبشة، فأنزل الله هذه الآية (١).
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٧٠٥٦) وما بعده. وفي الدر المنثور: ج ٢ ص ٤٦٢ و ٤٦٣؛ قال السيوطي: «وأخرجه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم».