وروي أنّهم ما قالوا لعيسى أخلق لنا خفّاشا إلا متعنّتين له؛ لأجل مخالفته الطيور بهذه الأخبار التي ذكرناها. فلمّا قالوا له أخلق لنا خفّاشا؛ أخذ طينا ونفخ فيه فإذا هو خفّاش يطير بين السماء والأرض، فقالوا: هذا سحر، فقال: أنا؛ {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ؛} فقالوا: إنّ إبراء الأكمه والأبرص يفعله أطبّاؤنا، فذهبوا إلى جالينوس فأخبروه بذلك، فقال: إنّ الّذي ولد أعمى لا يبصر بالعلاج، والأبرص الذي لو غرزت إبرة لا يخرج منه الدم لا يبرأ بالعلاج، وإن كان يحيي الموتى فهو نبيّ. فجاءوا بأكمه وأبرص فمسح عليهما فبرءا، فقالوا: هذا سحر؛ فإن كنت صادقا فأحيي الموتى، فأحيا أربعة من الموتى: العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: أنّ أخاك العازر مات فأتاه، وكان بينهما مسيرة ثلاثة أيام، فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد دفن منذ ثلاثة أيّام؛ فقام على قبره وقال:
اللهمّ ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع أحيي العازر من قبره وودكه يقطر، فخرج وبقي مدّة طويلة وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به وهو على سرير يحمل على أعناق الرّجال إلى المقابر، ودعا الله تعالى أن يجيبه، فجلس على سريره وأنزل عن أعناق القوم، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله فبقي مدّة وولد له. وأحيا ابنة العاشر بعد موتها بثلاثة ليال، فعاشت مدّة وولدت.
فقالوا له: إنك تحيي من كان قريبا موته ولعلّهم لم يموتوا فأحيي لنا سام بن نوح، فقال: دلّوني على قبره فدلّوه، فدعا الله تعالى أن يحييه فخرج من قبره، فقال له عيسى عليه السلام: من أنت؟ قال: سام بن نوح، قال: ومن أنا؟ قال: عيسى روح الله وكلمته، قال: كيف شبت يا سام ولم يكن في زمانكم شيب، قال: سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت أنّ القيامة قد قامت فشاب رأسي من هول ذلك، وكان سام قد عاش خمسمائة سنة، ومات وهو شابّ، فقال له عيسى عليه السلام: يا سام أتحبّ أن
(١) ويقال: إنما طلبوا خلق خفاش؛ لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، فيكون له الضرع ويخرج منه اللبن، ولا تبصر في ضوء النهار. نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ٤ ص ٩٤.