للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال ابن عباس: (فلمّا نزلت هذه الآية ترك بعض النّاس الخمر، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير. ولم يتركها بعضهم وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها.

وكانوا على ذلك حتّى أصاب رجل من الصّحابة خمرا فأنشا منها، فحضرت الصّلاة فقام يصلّي المغرب، فقرأ {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ} (١) على غير وجهها، قال: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد. فنزل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ} (٢)).وكانوا يشربونها قبل الصلاة؛ وكانوا يتناشدون الأشعار في شربها ويفتخرون، فقال عمر: (اللهمّ بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر، فنزل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (٣)؛فقال عمر: انتهينا يا رب) (٤) فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإراقة الخمر حتى أمر بكسر الدّنان تغليظا وتشديدا.

ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم عظيم؛ لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه. والقمار يورث العداوة أيضا؛ فإنّ المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه؛ بغضه وعاداه. وقيل: معنى قوله تعالى: {(قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)} أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور وزوال العقل، والمنع من الصلاة، واستحلال مال الغير بغير حقّ.

وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: «(قل فيهما إثم كثير)» بالثّاء؛ وقرأ الباقون بالباء؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: {(وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)} ولقوله تعالى:

{إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً} (٥).


(١) الكافرون ١/.
(٢) النساء ٤٣/.
(٣) المائدة ٩٠/-٩١.
(٤) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأشربة: الحديث (٣٦٧٠).والترمذي في الجامع: أبواب تفسير القرآن: الحديث (٣٠٤٩).والحاكم في المستدرك: كتاب الأشربة: الحديث (٧٣٠٦؛وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٥) النساء ٢/.

<<  <  ج: ص:  >  >>