للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فقالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط، ثمّ يزداد حتّى يمتلئ ويستوي، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ، ولا يكون على حالة واحدة (١).

فأنزل الله تعالى: {(يَسْئَلُونَكَ)} يا محمد {*عَنِ الْأَهِلَّةِ} عن الحكمة في معناها. وهي جمع هلال مثل رداء وأردية؛ وسمي هلالا لأنه حين يرى يهلّ الناس بذكر الله؛ أي يرفعون أصواتهم كما يقال: أهلّ القوم بالحج؛ إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية.

قوله تعالى: {(قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ)} أي هي بيان المواقيت التي يحتاج الناس إليها في صومهم وفطرهم وعدّة نسائهم وآجال ديونهم ومدّة إجاراتهم وحيض الحائض وعدّة الحامل وغير ذلك، أخبرهم الله تعالى عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله؛ فلهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حال واحد. وقوله: {وَالْحَجِّ} أي وبيان وقت حجّهم. ولو جعل القمر مدوّرا كالشمس أبدا لم تعرف المواقيت ولا السّنون ولا الشهور.

وقوله عزّ وجلّ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها؛} قال المفسرون: كان النّاس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحجّ والعمرة لم يدخل حائطا ولا دارا ولا بيتا من بابه؛ فإن كان من أهل المدر؛ أي البيوت نقب نقبا في ظهر بيته، ويتخذ سلّما إليه يدخل منه ويخرج؛ ولا يدخل من الباب. وإن كان من أهل الوبر؛ أي الخيام والفساطيط خرج ودخل من خلف الخيمة والفساطيط؛ ولا يدخل في الباب ولا يخرج منه حتى يحلّ من إحرامه. ويرون ذلك برّا إلا أن يكون الرجل من الحمس وهم: قريش؛ وكنانة؛ وخزاعة؛ وثقيف؛ وجثيم؛ وبنو عامر بن صعصعة؛ وبنو النضر بن معولة؛ سمّوا حمسا لتشدّدهم في دينهم وعلى أنفسهم، فإنّهم كانوا لا يستظلّون أيام منى ولا يسلون السّمن ولا يأقطون الأقط. والحماسة الشدة والصلابة، إلا أنّهم كانوا مع هذا يدخلون البيوت من أبوابها بخلاف الفريق الأوّل. فلما كان في زمن الحديبية أهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالعمرة فدخل


(١) في الدر المنثور: ج ٢ ص ٤٩٠؛ قال السيوطي: «أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف».وأخرجه الطبري مختصرا في جامع البيان: النصوص (٢٥١٠ - ٢٥١٧) بأسانيد عن قتادة والربيع وابن جرير وابن عباس وعلي.

<<  <  ج: ص:  >  >>