للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فأصبحت قد أجهدني الصّوم. فاغتمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله تعالى: {(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)} (١).أي كلوا في ليالي الصّوم واشربوا فيها حتى يتبين لكم بياض النهار وضوءيه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسّرون. وقيل: معناه حتى يتبين لكم الفجر الأول من الثاني، قال الشاعر:

الخيط الأبيض قبل الصّبح منصدع ... والخيط الأسود حين اللّيل مركوم

وعن عديّ بن حاتم قال: علّمني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصّلاة والصّيام فقال: [صلّ كذا وكذا، وصم كذا وكذا، فإذا غابت الشّمس فكل واشرب حتّى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ وصم ثلاثين يوما إلاّ أن ترى الهلال قبل ذلك] قال:

فأخذت خيطين من حرير أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فضحك حتّى بدت نواجذه، فقال: [يا عدي، إنّما ذلك بياض النّهار من سواد اللّيل] (٢).

وقوله: {(مِنَ الْفَجْرِ)} يعني المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق؛ وهو الثاني؛ وهو الفجر الصادق الذي تحلّ فيه الصّلاة؛ ويحرم فيه الطعام على الصّيام. وأما الفجر الأول؛ وهو الذي يستطع في السّماء مستطيلا كذنب السّرحان ولا ينتشر؛ فذلك من الليل لا تحلّ الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام فيه على الصائم؛ وهو الفجر الكاذب (٣).


(١) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الصوم: الحديث (١٩١٥).وأبو داود في السنن: كتاب الصوم: باب مبدأ فرض الصوم: الحديث (٢٣١٤).
(٢) في الدر المنثور: ج ٢ ص ٤٨١؛ قال السيوطي: «أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم» وأصله في جامع البيان للطبري: النص (٢٤٤٨).ورواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: سورة البقرة: الباب (٢٨):الحديث (٤٥١٠).وأبو داود في السنن: كتاب الصوم: الحديث (٢٣٤٩).
(٣) في الدر المنثور: ج ٢ ص ٤٨٢؛ قال السيوطي: «وأخرج ابن شيبة وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن محمّد بن عبد الرحمن عن ثوبان؛ أنه بلغه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: [الفجر فجران، فأمّا الّذي كأنّه ذنب السّرحان، فإنّه لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه. وأمّا المستطير الّذي يأخذ الأفق، فإنّه يحلّ الصّلاة ويحرّم الطّعام].قال: وأخرجه الحاكم من طريقه عن جابر موصولا».وهو في جامع البيان: النص (٢٤٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>