للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأردّ عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنّها مائة جلدة، وحرّم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خرّ ساجدا لله عزّ وجلّ، وقال: إلهي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإيّاي إلى الكفر).

وإنّما قال (مسّني الضّرّ) حين قصدت الدّودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنّما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدّنوّ منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيّوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشدّ عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال:

مسّني الضّرّ من شماتة الأعداء، يدلّ عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشدّ عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:

كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسّاد

كلّ المصائب تنقضي أيّامها ... وشماتة الحسّاد بالمرصاد

قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إنّي مسّني الضّرّ وأنت أرحم الرّاحمين، فقال له الله: ارفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلاّ سقط عنه، وأذهب الله عنه كلّ ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلاّ خرج، فقام صحيحا وكسي حلّة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى:

{(وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا)}.

قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)،وقال ابن يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردّهم الله بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود وقتادة

<<  <  ج: ص:  >  >>