للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال ابن عبّاس في معنى هذه الآية: (إنّ إبليس قسّم جنده فريقين، فبعث فريقا منهم إلى الإنس؛ وفريقا إلى الجنّ. فشياطين الإنس وشياطين الجنّ يلتقي بعضهم ببعض، فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي بكذا وكذا، أتيته من قبل الشّهوات واللّذات، ومن قبل المراكب والملابس والطّعام والشّراب، فإن أعياني من وجه أتيته من وجه آخر، فأضلل صاحبك بمثله).

فذلك قوله عزّ وجلّ: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ؛} أي يلقي بعضهم إلى بعض ويملي بعضهم إلى بعض؛ {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً؛} أي المموّه الذي يكون فيه تزيين الأعمال القبيحة. وقوله تعالى: {(غُرُوراً)} نصب على المصدر؛ كأنه قال:

يغرون به غرورا.

وذهب بعض المفسّرين: (إلى أنّ الشّياطين اسم لكلّ عات متمرّد؛ من الجنّ ومن الإنس شياطين).كما روي عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو في المسجد، فأمرني أن أصلّي ركعتين؛ فصلّيت وجلست إليه؛ فقال لي: [يا أبا ذرّ؛ تعوّد بالله من شياطين الإنس والجنّ].فقلت: يا رسول الله؛ أومن الإنس شياطين؟! فقال: [أو ما تقرأ قوله تعالى: {شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟}] (١).

قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ؛} أي لو شاء ربّك أن يمنع الشياطين من الوسوسة ما فعلوه، ولكن يمتحن عباده بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب. قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ} (١١٢)؛أي اتركهم وافترائهم وكذبهم على استجهالاتهم، فإنّي القادر عليهم.

قوله تعالى: {وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ} عطف على (غرورا)؛أي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول الغرور، ولتميل إليه أفئدة الذين لا يقرّون بالبعث، ولكن يرضوا القول الزخرف ويكتسبون من الإثم؛ وهو ما قضي عليهم في اللّوح المحفوظ، يقال: اقترف فلان ذنبا؛ إذا عمله. وقيل:


(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (١٠٧١٧ و ١٠٧١٨).والإمام أحمد في المسند: ج ٥ ص ١٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>