للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الصور والتماثيل ولم يبق إلا ما هو داخل البحار من القليل، الشاذر (١)، النادر الذي لا حكم له، ولا حِلْم يُلمّ يحفز هذا السلطان حتى يستكمله، ويغسل بالسيف ما بقي منه، فتضوعت (٢) أندية الهند (٣) من ذكره بأطيب من طيبها، وتحلى زمانه بها، بأعلى قيمة من جواهرها، وهو اليوم جامع ذيول تلك الأقطار، وماسك نطاق البراري، والبحار، وإذا قيل اليوم سلطان الهند لا يطلق على سواه، ولا يصح الاسم الكريم إلا على مسماه. قال الشبلي: وحقيق على مسلم، أن يدعو لسلطان هذا في الله جهاده، وذلك معروفه، وتلك سجاياه.

وحكى لي محمد الخجندي أَنَّ لهذا السلطان في كل أسبوع يومًا عامًا يجلس فيه للناس جلوسًا عامًا، وهو يوم الثلاثاء؛ يجلس في ساحة عظيمة، متسعة إلى غاية يُضْرب له فيها جَتْر كبير سلطاني، يجلس (٤) في صدره، على تخت عال (٥) مُصَفّح بالذهب مرصع بالجواهر، ويقف (٦) أرباب الدولة حوله، يمينًا ويسارًا، وخَلْفَه السلاح دَارِية، والجَمْدارية، ومَنْ حُكمه بين أرباب الأشغال الخاصة حُكْمُهم، وأرباب الوظائف على منازلهم، ولا يجلس إلا الخانات، وصدر جهان، والدبيران، يعني كتاب السِّرِّ، بين يديه والحجاب وقوف، ويُنادى مناداة عامة، أنه من كان له شكوى يحضر فيحضر كُلّ من له شكوى، أو حاجة يسأل السلطان فيها، فإذا حضروا، ووقف بين يديه، لا يُضرب ولا يُمنع حتى يُنهي إليه شكواه، ويأمرُ السلطان فيه بأمره وأما بقية الأيام فإنه يجلس في طَرَفي كل نهار، ويركب في الخانات، والملوك، والأمراء جميعهم إلى بابه، ومن رَسْمه أَنَّ أحدًا لا يدخل عليه (٧) بسلاح كبير، ولا سكين صغيرة، ومن جاءه اعتبر قبل دخوله. ودون المكان، الذي


(١) الشاذر: أي المتفرق في كل وجه راجع: «لسان العرب ٦/ ٦٦».
(٢) أي انتشرت سمعته، راجع في معنى (تضوع) «القاموس المحيط ٣/ ٥٩».
(٣) أي مجالس أهل الهند، فالنادي هو، مجلس القوم، ومجتمعهم «مشارق الأنوار ٢/ ٧».
(٤) يقول ابن بطوطة: وأكثر جلوسه بعد العصر، وربما جلس أول النهار، وجلوسه على مصطبة مفروشة بالبياض فوقها مرتبة، ويجعل خلف ظهره مخدة كبيرة وعن يمينه مُتكأ، وعن يساره مثل ذلك، وقعوده كجلوس الإنسان للتشهد في الصلاة، وهو جلوس أهل الهند كلهم» «الرحلة ٤٤٣».
(٥) ويقال له: (سرير الملك)، وهو منبر من رخام بصدر إيوان السلطان الذي يجلس فيه «التعريف ٢٧٣»، و «العصر المماليكي ٤٢٢».
(٦) راجع هيئة وقوف أرباب الدولة حول السلطان في «رحلة ابن بطوطة ٤٤٣ - ٤٤٥».
(٧) يقول ابن بطوطة في «الرحلة ٤٤٢ - ٤٤٣»: «ودار السلطان بدهلي تُسمى (دار سرى) ولها أبواب كثيرة»، كما ذكر أن أهل الأنفار، والأبواق والصرنايات يجلسون على الأبواب الأول، والثاني، والثالث، فإذا جاء أمير، أو كبير ضربوها، وقالوا: جاء فلان ابن فلان. كما ذكر أنه يوجد في خارج =

<<  <  ج: ص:  >  >>