للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الظاهر والباطن، والمداومة على قراءة العلم وإقرائه والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم.

وهذا السلطان لا يَتَأَنَّى عن الاجتهاد في الجهاد برًا وبحرًا، لا يثني عنه عنانه (١)، ولا سنانه (٢)، ولا يزال هذا دأبه بنصب عينيه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغًا عظيمًا في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك الأقطار حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء (٣) بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود (٤)، والأصنام، [وأخلى] البَرّ ممن ليس بِبَرٌ، إلا من هو تحت عقد الذمة (٥)، واتصل به الإسلام إلى أقصى الشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح


(١) أي عنان فرسه، راجع «المخصص ٦/ ١٨٩».
(٢) سنانه: السِّنَان: قيل هو (الخَرْص)، وقيل (الرّمح)، وقيل: رمح قصير، يُتخذ من الخشب «كتاب السلاح ١٦»، و «المخصص ٦/ ٢٩»، و «نهاية الأرب ٦/ ٢١٧».
(٣) الأنواء: جمع مفرده نوء، وهو المطر، كما جاء (النوى) بمعنى الوجه الذي يقصده المسافر، راجع «لسان العرب ٢٠/ ٢٢٢»، و «المصباح المنير ٢/ ٣٠٤».
(٤) البدود: مفردها (بد) وهو صنم الهند الأكبر، ويسمى كل صنم بدًا. «مفاتيح العلوم ١٠١» وجاء في محيط المحيط ٣٠، البد: «الصنم، وبيت الصنم، مُعرب (بت) بالفارسية».
(٥) عقد الذمة: رتبته دون (الأمان) بالنسبة للإمام، وذلك، إنما يُقَرِّره بعوض يأخذه منهم، بخلاف الأمان. أما معناه، فهو عبارة عن التزام تقريرهم في دار المسلمين، وحمايتهم، والذب عنهم، ببذل الجزية، أو الإسلام من جهتهم، يختص بهذا العقد على الأرجح، الإمام، أو نائبه، فهو من الأمور الكلية، التي تحتاج إلى نظر واجتهاد. ويشترط للمعقود له: التكليف، والذكورة، والحرية، وأن يكون من أهل الكتاب؛ كاليهود والنصارى، والمجوس، ومن بهم سُنّة أهل الكتاب، والسامرة في حال موافقة أصولهم، أصول اليهود، والصابئة في حال موافقة أصولهم أصول النصارى. مدة العقد غير مقيدة بوقت محدد ينتهي عنده.
ويقرر العقد في جميع البلاد الإسلامية، ما عدا الحجاز واليمامة، ومخالفيها. ويُطلب منهم إذا عُقد لهم الذمة، عدة أشياء:
الجزية، وضيافة من يمر بهم من المسلمين، (مع تقييد الإقامة بثلاثة أيام، وكذلك تقييد عدد الضيفان من فرسان، ورجاله، وعدد دوابهم .. وهي على غير الفقير من أهل الذمة)، الانقياد لأحكام المسلمين، عدم ركوب الخيل، إنزال المسلمين صدر المجلس، وصدر الطريق، التمييز عن المسلمين في اللباس، ألا يرفعوا ما يبنونه من بنيان على جيرانهم المسلمين، وألا يساوونه به، وألا يحدثوا كنيسة، ولا بيعة، فيما أحدثه المسلمون من بلاد؛ كالبصرة، والكوفة، وبغداد، والقاهرة، ولا بلد أسلم أهلها عليها: كالمدينة واليمن، وكذلك لا يجوز إحداث كنيسة، أوبيعة، أو الإبقاء على القديم منها فيما فتح عنوة، أما ما فتح صلحًا بخراج، فيجوز فيها إحداث الكنائس، وإبقاء القديم منها .. وأخيرًا معرفة ما ينتقص به عهدهم مثل قتال المسلمين بلا شبهة، منع الجزية، الزنا بمسلمة … إلخ. على ما هو مبسوط في «الصبح ١٣/ ٣٥٦ - ٣٦٥».

<<  <  ج: ص:  >  >>