فريد في العلوم والزهد، وأنه لا يُثبت عنده مالًا، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى المُلتان، ثم إذا دخل بلادنا، جدنا عليه بالأموال. ثم قال: وإن لم تجدوه أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه، إذا جاء ويُعَرِّفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان.
قال: فلما وصلنا إلى سَمرقند، وجدناه قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال، لجاريته، وعَرَّفناها برغبة السلطان فيه، وحثه في طلبه.
وحدثني الفقيه أبو الصفا، عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان، لا يفارق العلماء سَفَرًا ولا حَضَرًا، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كُتُبُ البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه فحصل له السرور وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفًا يَسْتَنِيب مَنْ يحمل من ذلك المال عنه.
قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا، ولا كثير من أمثالي؛ لأننا لم نكن من تلك الطبقة. وحمل أولئك كل واحدٍ كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم، إلا واحدًا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبًا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة [ممن] لم يدخل مثلي، فقيل له: إن هؤلاء دون أولئك، لأنّ أولئك من المدرسين؛ وهؤلاء من المعيدين (١)، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا.
قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يُشار إليهم بالتوقير والإجلال (٢)، وهم في غاية المحافظة على ما يَنْقَام به ناموسهم (٣)، من إصلاح
(١) المعيدين: المعيد ثاني رتبة، بعد المدرس، الدرس، وانصرف، أعاد للطلبة ما ألقاه المدرس إليهم، ليفهموه ويحسنوه «الصبح ٥/ ٤٦٤». (٢) بالرغم مما اشتهر به السلطان (محمد تغلق شاه) من توقير وإكرام وإحسان للعلماء، إلا أنه كان أحيانًا شديد البطش ببعضهم ممن يخالف أوامره، أو يعلن معارضته لبعض تصرفاته، وممن تعرض لبطشه الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام الخراساني، الذي رفض خدمته، وأعلن رفضه في مجلس عام، وقال: «لا أخدم ظالمًا فنتف لحيته، ونفاه إلى دولة (آباد) سبعة أعوام، بل سقاه العُذرة، وضرب عنقه بعد ذلك، وكذلك الفقيه المدرس (عفيف الدين الكاساني قتله، قتلة شنيعة؛ قطع رأسه مع الذراع وبعض الصدر، بسبب معارضته لبعض تصرفاته. كما قتل الشيخ (زاده) المسمى بـ (هود) حفيد (ركن الدين بن بهاء الدين بن أبي زكريا المُلتاني، وسجن الشيخ (شمس الدين بن تاج العارفين) بعد أن سمل عينيه حتى توفي، كما قتل أيضًا أولاده وكذلك قتل الشيخ علي الحيدري) وغيرهم، لأسباب لا توجب القتل، وإنما هو تسرع السلطان وحبه لسفك الدماء، وقد بسط ابن بطوطة) أخباره مع هؤلاء العلماء في رحلته ٤٧٢ - ٤٧٨». (٣) ناموسهم: الناموس هو «الشرع الذي شرعه الله» «كتاب التعريفات ٢٥٨»، ويكون المعنى على هذا، (ما ينقام به شرعهم).