بلكين، عادة دائمة لا يقطعها. وعليه راتب مستمر لأربعين ألف فقير، لكل واحد منهم في كل يوم درهم واحد، وخمسة أرطال (١) خبز وقمح، أو أرز. وقرّر ألف فقيه في مكاتب (٢)، أرزاقهم على ديوانه، تعلّم الأيتام، وأولاد الناس القراءة والكتابة ولا يدع بدِهْلي سائلًا يَسْتَعْطِي الناس، بل كل من استعطى منع من هذا، وأجري عليه ما يُجرى على أمثاله من الفقراء.
فأما إحسانه إلى الغرباء، ومن يؤمله، فما يكاد يخرج عن حد التصديق. حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل، يحيى بن الحكيم الطَّيَّاري، قال: كان عندنا بالأردو، في خدمة السلطان أبي سعيد رجل اسمه عضد (٣) الدولة ابن قاضي يزد، يروم الوزارة، ولا يؤهل لها ولا يعد من أكفائها، فلا يزال يَشْعَب على الوزراء، ويفتن بين أهل الأردو، فاتفق رأيهم على إبعاده، فبعثوه رسولًا إلى دهلي برسالة مضمونها السلام، والوداد وللسؤال والافتقاد، وعملوا هذا صورة ظاهرة، لإبعاده، وكان قصدهم، أن لا يعود، فلما حصل في دِهْلي، وحضر في حضرة هذا السلطان، وأدى الرسالة، أقبل عليه وشرفه بالخلع والعطاء، وأَحَلّه من كنفه (٤) في محل الرحب والسعة، وأطلق له حملًا من المال. ثم لما أراد الانصراف عائدًا إلى مرسله، قال له: ادخل إلى الخزانة وخذ مما شئت، وكان هذا السيد عضد رجلًا داهية، فلما دخل الخزانة، لم يأخذ سوى مصحف واحد، فسمع السلطان بهذا فأعجبه، وقال له: لأي شيء ما أخذت إلا هذا المصحف؟ فقال: لأن السلطان قد أغناني بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب الله، فازداد إعجابه بفعله، وبكلامه، ووقعا منه موقع الاستحسان، وأعطاه مالًا جمًا (٥)، منه ما هو خاص بنفسه، ومنه ما هو معه لأبي سعيد على سبيل المهاداة، وكان جملة ما اتصل إليه منه، مما هو لأبي سعيد، وما هُوَ لَهُ ثمانمائة
(١) أرطال: الرَّطل والرَّطل، يُوزن به ويُكال، وهو اثنتا عشرة أوقية بالوزن، أما بالكيل، فيعادل نصف من. «لسان العرب ١٣/ ٣٠٤». (٢) مكاتب: جاء في لسان العرب ٢/ ١٩٣، المَكْتَب: موضع الكتاب والمُكْتِب: المُعَلِّم، والكتاب: موضع التعليم، والجمع الكتاتيب، والمكاتب، ويرى المبَرِّد، أنّ المكتب: موضع التعليم، والمكتب: المعلم، والكتاب: الصبيان. (٣) جاء في «الدرر ٣/ ٦٩»: أنه عضد الدولة ابن قاضي يزد، التاجر الخواجا، كان مشهورًا بكثرة البيان والمعرفة، أرسله أبو سعيد إلى السلطان محمد بن تغلق شاه ملك الهند، فبالغ في إكرامه. (٤) كنفه: كَنَفَه ضمه إليه، وجعله في عياله، وفلان يعيش في كنف فلان في ظله. «لسان العرب ١١/ ٢١٩». (٥) جمًا: أي كثيرًا. «المصباح المنير ١/ ١٢٠».