وهذا السلطان مع هذا ذو بر، وإحسان، وتواضع الله تعالى. حدثني أبو الصفا عمر بن إسحاق الشبلي، أنه رآه، وقد نزل إلى جنازة فقير صالح مات، وحمل نَعْشَه على عنقه.
وله فضيلة جمة؛ يحفظ كتاب الله تعالى، وكتاب الهداية (١) في مذهب الإمام أبي حنيفة (٢)﵁، ويجيد في المعقول (٣)، ويكتب خَطًّا حَسَنًا، وله يد ممهدة (٤) في الرياضة وتأديب النفس والأدب، ويقول الشعر وينظمه، ويستنشده، ويفهم معانيه، ويباحث العلماء، ويناظر الفضلاء، ويؤاخذ خصوصًا الشعراء بالفارسية، فإنه عالق بأهدابها، عارف بشعابها، قال: ولقد سمعته يبحث في معنى تقدم الأمس على اليوم، من أي قبيل هو؟! لأنهم قالوا: إنَّ التقدم، إما أن يكون بالزمان، أو بالرتبة، أو بالذات، وهذا لا يجوز أن يكون [واحدًا] من هذه الأقسام، وقَرَّرَ أَنَّ قولهم انتقض بهذا؛ لأن الأمس متقدم، لا بشيء من هذا. قال: ولقد رأيته يأخذ بأطراف الكلام على كل من حضر على كثرة العلماء. قال: والعلماء تحضر مجلسه، وتفطر في شهر رمضان عنده يأمر (صدر جهان) كل ليلة واحدًا ممن حضر بأن يذكر نكته، ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها، بحضرة السلطان، وهو كواحد منهم، يتكلم
= يقول عنه «عماد الدين الأصفهاني»: «وكان ملكشاه، ملكا سيرته العدل، وسريرته الإنصاف، والفضل، شجاعًا، مقداما، صائب الرأي والتدبير، ضَيِّقًا بالتاج والسرير، أيامه في أيام آل سلجوق، الواسطة في العقد. كانت ولادته في التاسع من جمادى الأولى سنة ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥» ووفاته في السادس عشر من شوال سنة ٤٨٥ هـ/ ١٠٩٢ م». «تاريخ دولة آل سلجوق ٥٧، ٧٠، ٨٠». (١) لعله كتاب (الهداية شرح بداية المبتدئ) لمؤلفه برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني المتوفى سنة (٥٩٣ هـ/ ١١٩٩ م). كشف الظنون ٢٠٣١، والأعلام ٥/ ٧٣، ومعجم المؤلفين ٧/ ٤٥. (٢) هو النعمان بن ثابت بن زوطي، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة إمام الحنفية فقيه مجتهد، أصله من فارس، ولد بالكوفة سنة ٨٠ هـ/ ٦٩٩ م ونشأ بها، مارس مهنة عمل القز، وبيعه، امتنع عن القضاء لعمر بن هبيرة في الكوفة، وعن القضاء للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور في بغداد تقى وورعًا، حبسه المنصور إلى أن مات سنة ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م، وعمره سبعون سنة، من مؤلفاته: «الفقه الأكبر» في الكلام وقيل إنه منسوب إليه، و «المسند» في الحديث و العالم والمتعلم في العقائد، و «المخارج» في الفقه، و «الرد على القدرية». ترجمته في: الفهرست ٢٥٥ - ٢٥٦ و تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣، ووفيات الأعيان ٥/ ٤٠٥ - ٤١٥، ومرآة الجنان ١/ ٣٣٠ - ٣٣٣، والبداية والنهاية ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨، والنجوم الزاهرة ١/ ١٢ - ٣٣٣، ومفتاح السعادة ٢/ ١٩٥ - ٢١٦، الأعلام ٨/ ٣٦. (٣) المعقول: علم يبحث فيه عن العقل راجع «محيط المحيط ٦٢٢». (٤) ممهدة: متمكنة «القاموس المحيط ١/ ٣٥٢».