وأما كيفية صيرورة البحار يُبْسًا واليبس بحرًا، فإنه كلما انضمت من البحر قطعة على الوجه الذي ذكرناه، فالماء يرتفع يطلب الاتساع على سواحله يُغطي بعض البر بالماء، ولا يزال ذلك دأبها بطول الزمان حتى يصير مواضع البر بحرًا وهكذا لا تزال الجبال تتكسر وتصير حصى ورمالًا تحمله السيول إلى قعر البحار مع طين ومُمرّها وينعقد فيها - كما ذكرنا - حتى يستوي مع وجه الأرض فتجف وتنكشف فينبت فيها العشب والأشجار فتصير مكانًا للوحوش والسباع ويقصدها الناس لطلب الصيد والعشب والحطب، فتصير مسكنًا للناس وموضعًا للزرع والغرس والقرى والمدن فسبحان من لا يعتريه التغيير والزوال، وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال.
واعلم أن هذا المذكور إنما هو في بعض الجبال والأماكن المكتسبة ما ذكرناه.
أما الجبال الأصول التي قال الله تعالى في حقها: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) فتلك أصول وقواعد لا تتغير للحكمة المودعة فيها التي لولاها لكانت الأرض متحركة.
وقال بعضهم:«لولا الجبال لكان وجه الأرض مستديرًا» وكان ماء البخار يغطيها من جميع جهاتها وأحاط بها إحاطة الهواء بالماء وبطلت الحكمة في المعادن والنباتات والحيوان.
قال بعضهم: الجبال سبب لوجود الأنهار السائحة على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان؛ وذلك لأن سبب هذا الماء إنما هو انعقاد البخار في الجو سحابًا والجبال الشامخة الطوال الأصول على بسيط الأرض شرقًا وغربًا ويمينًا وشمالًا تمنع الرياح أن تسوق البحار بل تجعلها منحصرة بينها حتى يلحقها برد الشتاء، فيصير مطرًا وثلجًا فلو فرضت الجبال غير مرتفعة عن وجه الأرض، لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء فالبخار المرتفع لا يبقى في الحصو منحصرًا إلى وقت يضرُّ به البر بل يتحلل ويستحيل هواء، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدر ما ينزل من المطر ثم ينشفه الأرض ثم يعرض من ذلك أن النبات والحيوان يعدم لعدم الماء في الصيف عند شدة