الحجر - وكلما كانت النار فيه كانت أصلب، وأشبه بالحجر.
فزعموا أن تولد بعض الجبال من اجتماع الماء والطين وحرارة الشمس، وأما سبب ارتفاع بعضها وشموخه على تقدير أن يكون مما ذكر، فهو أنه يجوز أن يكون بسبب زلزلة فيها خسف فينخفض بعض الأرض ويرتفع بعضها، ثم [إنّ] ذلك البعض المرتفع يصير حجرًا لما ذكرنا وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب إلى مكان فتجذب تلال ووهاد ثم تتحجر بسبب ما قلنا.
ثم قد زعم صاحب كتاب المجسطي (١): أنّ في كل ستة وثلاثين ألف سنة تنتقل أوجات الكواكب ويدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض فيختلف بها الليل والنهار والصيف والشتاء والحر والبرد وتتغير أرباع الأرض فيصير العمران خرابًا والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا، والبحار براري، والجبال سهولًا، والسهول جبالًا.
أما صيرورة الجبال سهولًا فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها بطول الزمان تنشف رطوبتها وتزداد جفافًا ويبسًا وتتكسر عند الصواعق فتصير أحجارًا وصخورًا ورمالًا، ثم إن السيول تحملها إلى بطون الأودية والأنهار، ولشدة جريان الماء تحملها إلى البحار فتنبسط في قعر البحار جبالًا وتلالًا، كما يتولد من هبوب الرياح دعاص الرمال في البر، وكذلك قد يوجد في أجواف الأحجار إذا كسرت أنواع من الأصداف والعظام، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم، وأيضًا فقد يوجد في بعض الجبال ذو أطباق بعضها فوق بعض، وسبب ذلك وصول السيول إليه بالطين مرة فإن ماء السيل إذا انتقل من موضع إلى موضع يحمل معه طين الموضع الذي مر عليه فتصير كل طبقة من ذلك بمرور الزمن حجرًا بالسبب الذي قلناه، ولا تزال السيول تأخذ من الجبال وتحط حتى ترتفع من البحر الوهاد، وتنخفض
(١) كتاب المجسطي: تأليف بطلميوس قلاوديوس (القلوذي) عاش في الاسكندرية في القرن الثاني الميلادي. كتاب في علم الهيئة والنجوم وحركات الكواكب والأفلاك في ١٣ مقالة - حسب الترجمة العربية - وأول من اعتنى بترجمته إلى العربية وتفسيره يحيى بن خالد بن برمك (ت ١٩٠ هـ) ثم توالت عليه بعد ذلك عناية العلماء بشرحه وتحريره ومراجعة واختصاره. ترجمته في: الفهرست ٢٦٧ - ٢٦٨، كشف الظنون ٢/ ١٥٩٤ - ١٥٩٦، التنبيه والإشراف ١١٢، تاريخ اليعقوبي ١٠٧ - ١٠٨، طبقات الأطباء والحكماء ٣٧ هـ.