الحاجة إليه، كما في البوادي البعيدة والمفازات المعطشة فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها ويمنعه من السيلان، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السكر الماء فيبقى محفوظًا إلى أن يلحقه البرد زمان الشتاء فيجمده ويعصره فيصير ماءً، ثم ينزل مطرًا وثلجًا والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف فتقع على قللها الأمطار والثلوج فتنصب إلى تلك المغارات والأوشال فتبقى مخزونة وتخرج من أسافلها ضيقة وهي العيون فيسيح منها الماء على وجه الأرض فيحيي بها العباد والبلاد وما فضل ينصب إلى البحر، فإذا فني ما في الجبال من المياه النازلة فيها من الأمطار، لحقتها نوبة الشتاء فعادت إلى ما كانت ولا تزال هكذا دائبًا إلى أن يبلغ الكتاب أجله، فسبحان من لا يطلع على دقائق حكمته ومصنوعاته إلا هو.
فإذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال تنصب الأمطار إلى الغارات وتذوب الثلوج وتفيض إلى الأودية التي في الجبال، فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء، فإذا كان في أسفل الجبال منافذ ضيقة، تخرج منها المياه من الأوشال في تلك المنافذ فيحصل منها جداول ويجتمع بعضها إلى بعض فيحصل منها أودية وأنهار، فإذا كانت تلك المياه في أعلى الجبال، يستمر جريانها أبدًا؛ لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال ولا تنقطع ماديتها لوصول مددها من الأمطار، وإن كانت في أسفل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددِها، ولا تنقطع عند انقطاع المدد، وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى من تلك الأودية التي تجري في بعض الأيام، وتنقطع عند انقطاع مادتها.
قال صاحب جغرافيا: إن في هذا الرابع المسكون مقدار مائتين وأربعين نهرًا طوالًا منها ما طوله من خمسين فرسخًا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري من المشرق إلى المغرب ومنها ما يجري من المغرب إلى المشرق، ومنها ما يجري من الجنوب إلى الشمال، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، وكل هذه الأنهار تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار أو إلى البطائح وفي ممرها المدن والقرى وما فضل ينصب إلى البحار، ويختلط بالماء الملح، ثم يرق ويلطف ويتصاعد في الهواء بخارًا، وتتراكم منه الغيوم فتسوقه الرياح إلى الجبال والبراري، وينزل هناك ويجري في الأودية والأنهار، ويسقي البلاد ويرجع فاضلها إلى البحر، ولا يزال هذا دأبها وتدور كالدولاب بتقدير العزيز العليم إلى أن بَلَغَ الكتاب أجله، ثم لا يشك في أن في جوف الأرض مسام ومنافذ وفيها إما ماء، وإما هواء - على ما قدمنا ذكره - فإن كان هو هواء، فإنه يصير ماءً يسير ويلحقه أو يغير ذلك من الأسباب، أو ماء على حاله ويأتيه مدد صلبة فتمنعه من جهة أخرى فلا يسع ذلك الأرض فيشقها ويظهر على وجهها