نهاية من البعد عن الراحة والذم للرفاهية وخصوصًا الأندلس يصيخون لداع كلما سمعوا شعار الحركة بادروا، ومن أقام مقدارًا يزيد على العادة عوقب أشدَّ العقاب؛ وربما أحلَّ ماله ودمه. ويقيم الواحد منهم في الحصن الواحد عشر سنين وأكثر وأقلُّ. لا ناصر لهم إلا سلاحهم، ومنعة قلعتهم، لا يسأمون الحصار، ولا يتذلَّلون للغلبة.
[قلت: لو استحيا هذا الفاضل، لما ذكر مع فخامة جند الغرب إلا أن جعل مصر - كما قرر من المغرب - وما ذكر ذلك هنا، ولو احتاج هذا إلى مؤاخذة له، وإقامة الدليل عليه، لواخذته، وأقمت الدليل عليه، ولكنه أوضح من النهار الشارق، وأظهر من الجبل الشاهق.
والله لقد كان عند أمير من أمراء الدولة الناصرية بمصر مملوك محظي أخبرت أنَّ عنده ثمانين عليقة، وكان عند أمير آخر مملوك محظي أخبرت أنه عنده أربعين عليقة.
فأما قوله: إنَّ للأمير ثمانين ألف درهم في السنة لخاصته، فقول حقٌّ؛ ولكن أين هو عما يبلغ خواص الأمراء عندنا مما يزيد خاص الرجل منهم في السنة عن مائتي ألف دينار جيشية كما كان لبكتمّر الساقي، وقوّصون، وبشتاك؟! وأمّا من دون هؤلاء، فعدد جمّ لهم الخواص الكبيرة، منهم من يزيد خاصه على مائة ألف دينار، ومنهم من ينقص؛ فأمَّا من لا ثمانون ألف درهم منهم، فمن لا يرمق بطرف، ولا يرمى بالتفات، فأما أمراء الممالك الهولاكوية فلونينا تهم البحور التي لا يُدرَك أعماقها، والخزائن التي لا يُنفَد إنفاقها، فأمَّا الهند، فعلى قدره، وكفى قولنا هذا في تعظيم أمره.
وأما قوله: إنَّ الأمير يكون له مملوك يحمل لباسه، ومملوك يحمل سلاحه، وكلام قاله على ما رأى أو ظنَّ، فأمَّا أمراؤنا، فمنهم ملك ثمانمائة مملوك، ثم كلٌّ على قدره.
قال ابن سعيد:] وأما الوزارة، فالسفاح أول من استوزر بالمشرق، وهي بها أعظم من المغرب، كأنَّ الوزير نائبٌ للخليفة أو الملك.
قلت: وهذا مما لا يفاضل فيه؛ فإنَّ وزراء الغرب لو جمعوا أولهم وآخرهم وباقيهم وغابرهم ما «جاؤوا» بواحد من مشاهير وزراء الشرق، ولا أقول هذا إلا بحقٍّ، وسأذكر من هؤلاء وهؤلاء، ما تعرف به القول الصدق؛ ليعلم من أجاد في هذا المكان نظره، وحقق منه خبره، في أي القطرين الوزراء الذين تفتقر إليهم الدول، ويقتصر عليهم الأمل، وتقرطس إلى الغايات سهامهم، وتطرق بحلّي التصرف أيامهم، ويفسح ديمهم نوالًا، وتشْمَخ هممهم بما بَعُدَ منالًا، قد أرغمت أقلامهم معاطس الرماح حنقًا، وأخرجت صدور السيوف وأغصنتها شرقًا، فاحتاجت الملوك إلى مؤازرتهم،