ثم قال: - وقد ذكر الإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة والاعتدال -: إنه ليس بالمغرب فيه إلا بعض الأندلس وبعض ساحل برّ العدوة، وجمهوره غلب عليه البحر.
وقد ذكر البحر الرومي - يعني الشامي - الذي سماه - هنا - السبتي قال: وفيه جزائر ليست مما تقارب جزائر الهند في الكثرة.
ثم قال: والإقليم الرابع في المشرق بضدّ ذلك - يعني ضدّ ما هو عليه في المغرب - لأنه ليس فيه بحر يعطّله عن اتصال العمارة، وكثرة المدن المتوالية من الشام إلى الجزيرة إلى عراق العجم إلى خراسان إلى ما وراء النهر متصلًا في بلاد الأتراك إلى يأجوج ومأجوج؛ فلهذا كان الشرق أعظم عمارة من المغرب، وأكثر مدنًا.
ومعنى كلامه: أن البحر الرومي جاء في الجانب الغربي في موضع الإقليم الرابع إلا قليلًا منه، فلم تبق به مدن بخلاف الشرق؛ فإنه خالٍ من تعطيل البحر لأرضه؛ فقد جاء كله مدنًا أهلة، وقُرى عامرة، ورساتيق متصلة.
قال ابن سعيد: فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية.
ولما ذكر ابن سعيد: أن بعض الحكماء شبه الأرض بجسد آدمي وعددُ أعضائه، وجعل الصين والهند رأسه، والغرب رجله، كما تقدم ذكره في هذا الكتاب.
قال: وبهذا التشبيه للمشرق غاية الفخر إن سلّمه إليهم المغاربة.
قلت: وفي قول ابن سعيد: «إنّ تسليمه إليهم المغاربة» في هذا الموضع، وقوله فيما تقدّم -: «فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية» من التنفس بمضاهَاة الشرق ما فيه، ولو اكتفينا بهذه المزية، لكان فيها كفاية؛ لأنه أية مماثلة لجهة أكثر ما فيها بحارٌ مِلْحٌ غامرة بجهة كلها أقاليم ممتدة عامرة بالمدن والقرى والثمار والزروع والأناسي والدواب، يسافرها المسافر كيف شاء، ويضطرب فيها حيث أراد. وكيف تستوي بلاد جنوبها الهند وهم من أهل العلم والحكمة مع صفاء الألوان وحسن الصور، وكمال التخطيط، يعمّ الأرض طيبه، وينفحها أَرْجُه، ويُداوِي مرضاها عقاقيره، ويصلح أغذيتها أفاويهه، ويزين أسرة ملوكها جوهرة، ببلاد جنوبها خثالة السودان المحترقة ألوانهم، المشوهة صورهم، المختلفة تخاطيطهم غاية الجهالة والنفوس البهيمية لا عقول لهم ولا أفهام، هم أقرب شبهًا من بني آدم بالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلًا، وأذلُّ قبيلًا، وأقلُّ للمعارف تأويلًا، ولو أنصف ابن سعيد حقّ الإنصاف، وأذعن لواجب الاعتراف، لما قال:«فوجب التسليم من المغاربة للمشارقة» لأنه يجب للمشارقة على المغاربة التسليم في كل شيء شاؤوا أو أبوا؛ اللهم إلا في القليل النادر الذي لا حكم له، أوليس مظاهر الأنبياء - صلوات الله عليهم جميعًا - بالمشرق إلا