حتى مضت الثلاث ليال وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتها (١)، ونسيت أن تجعل لها عصاما (٢)، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فحلت نطاقها فجعلته عصاما، ثم علقتها به، فقيل لأسماء: ذات النطاق، وقيل: ذات النطاقين.
وقدم أبو بكر أجود المراكب لرسول الله ﷺ ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي، فقال: إني لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله، (بأبي أنت وأمي، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به (٣))، وركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق.
وأخذ أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم، قالت أسماء: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس يتبعونه، يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب العالمين الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
(الطويل)
(١) السفرة: الطعام، ابن منظور: لسان العرب، جـ ٣، ص ٢٠٢٥. (٢) العصام: كل شيء عصم به شيء، أو هو رباط كل شيء، أو هو جبل يعصم أي يربط به شيء، المصدر السابق، جـ ٤، ص ٢٩٧٨. (٣) ساقط من الأصل، مثبت من ابن هشام: السيرة، جـ ١، ص ٤٨٧.