والأمر الثاني: أنَّ المالكيَّة قالوا: لو سقط القصاص عن القاتل بعفو أو غيره فإنه يعزَّر بمئة جلدة، ويحبس سنة (١)، وذهب الجمهور إلى عدم التعزير في ذلك (٢). وهذه المسألة تبين شدة احتياط المالكيَّة في أمر الدماء وسد الذرائع الموصلة إليه أيضًا، من جهة أنهم جعلوا العقوبة على القاتل عمدًا واقعة لا محالة، فإما أنْ يقتص منه ولي الدم، وإما أن يجلد ويحبس.
والأمر الثالث: أنَّ المالكيَّة ذهبوا إلى أنَّ توبة القاتل عمدًا لا تصح، وذهبوا إلى عدم صحَّة إمامته في الصلاة (٣)، ونازع في هذا الجمهور: فذهبوا إلى أن التوبة تقبل (٤)؛ لأن التوبة إذا قبلت في الكفر فقبولها في الكبائر من باب أولى (٥). ويظهر
(١) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٠٢)، القوانين الفقهية (ص: ٢٢٧)، منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ١٥٥). (٢) وهذا يستفاد من عمومات كلام أهل العلم في المسألة، ونصَّ على تفرد مالك في المسألة: ابن حزم وابن رشد -رحمهما الله-. انظر: المحلى بالآثار (١١/ ٩٨)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ١٨٦). وأنبِّه إلى أن العمل في محاكم بلادنا اليوم جارٍ على قول المالكيَّة من جهة أصل التعزير لا الالتزام بالحبس والجلد. انظر: ما جرى عليه العمل في محاكم التمييز على خلاف المذهب الحنبلي (ص: ٧٧٣). (٣) انظر: النوادر والزيادات (١/ ٢٨٥)، المقدمات الممهدات (٣/ ٢٧٥)، الذخيرة للقرافي (١٢/ ٢٧٢)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٢/ ١٧٨). (٤) انظر: الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: ٧٠٣)، تكملة حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٤٩)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١١/ ٢٩٧)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (٤/ ١٢٤)، الفروع وتصحيح الفروع (٩/ ٤٣٠)، كشاف القناع (٦/ ١٧٨). بل ذهب بعض أهل العلم إلى حكاية الإجماع في المسألة سوى ما جاء عن ابن عباس ﵄. قال النووي في شرح مسلم (١٧/ ٨٢) في كلامه على حديث توبة من قتل تسعة وتسعين نفسًا: «هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس». (٥) انظر: مختصر الفتاوى المصرية (ص: ١٢٤)، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (٤/ ١٢٤).