الرواية والتحديث به؛ لقول النبي ﷺ:(وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ)(١)، ولكن لا نقطع بثبوته ولا بنفيه كما في الحديث:(مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ بَاطِلاً لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ)(٢).
فمنهج السلامة أن لا نتسرع بتصديق ولا تكذيب، أما ما شهد كتابنا بصحته؛ فإنا نؤمن به لثبوت ذلك في كتابنا، وما شهد كتابنا ببطلانه؛ فإننا نرفضه لأن كتابنا شهد بنقضه.
الأمر الرابع: هو العمل بالشرع المنزل إلينا في كتابنا؛ لأن القرآن العظيم ناسخ للكتب السابقة مهيمن عليها، وذلك أن الله تعالى في سورة المائدة -لما ذكر التوراة ثم ذكر الإنجيل- قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، ومعنى مهيمنًا عليه: أي حاكمًا وقاضيًا وناسخًا؛ فلا يجوز لأحد أن يعمل بشريعة التوراة ولا بشريعة الإنجيل؛ لكن إن أقر شرعنا ما جاء في التوراة أو الإنجيل فإننا نعمل به؛ لإقرار شرعنا له، مثال ذلك: قوله تعالى عن التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا مكتوب في التوراة وأقره شرعنا وزاد عليه ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦١). من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄، مرفوعاً. (٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٦٤٤)، من حديث ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁، مرفوعا، وصححه ابن حبان في صحيحه رقم (٦٢٥٧)، وقال الأرناؤوط في تحقيق صحيح ابن حبان (١٤/ ١٥١)، إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير نملة، فقد روى عنه جمع، وذكره المؤلف في الثقات.