يا مَنْ يُسرُّ برؤيةِ الإخوانِ … مهْلًا أمِنْتَ مَكايِدَ الشيطانِ
خَلَتِ القلوبُ من الْمَعادِ وذِكْرِهِ … وتشاغلوا بالحِرْصِ والخُسْرانِ
صارَتْ مجالسُ منْ تَرَى وحديثُهم … في هَتْكِ مَسْتُورٍ ومَوْتِ جَنَانِ (١)
قال الحلبي: فقلتُ لِسَريّ: هذه موعظةُ بشر، فعِظْني أنت. فقال: عليك بالإخْمال. فقلت: أحبُّ ذاك. فأنشأ يقول:
يا منْ يَرُومُ بزَعْمِهِ إخْمالًا … إنْ كان حقًّا فاستعِدَّ خِصالا
تَرْكَ المجالِسِ والتذاكُرِ يا أخي … واجعَلْ خروجَكَ للصلاةِ خَيَالا
بل كُنْ بها حَيًّا كأنَّكَ مَيِّتٌ … لا يَرْتَجي منه القريبُ وِصَالا
قال محمد بن محمد القَصْري: قلتُ للحلبي: هذه موعظةُ سَريٍّ لك، فعِظْني أنت. قال: يا أخي أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّه ما صَعِدَ إليه من قلبِ زاهدٍ في الدُّنيا؛ فازْهَدْ في الدنيا يُحبَّكَ اللَّه ثم أنشأ يقول:
أنتَ في دارِ شَتاتٍ … فتأهَّبْ لِشَتاتِكْ
واجعلِ الدُّنيا كيومٍ … صمْتَهُ عن شَهَواتِكْ
واجعلِ الفِطْرَ إذا … ما صُمْتَهُ يومَ وفاتِكْ
قال ابنُ خُرَّزاد: فقلت لعلي: هذه موعظةُ الحلبيِّ لك، فعِظْني أنت. فقال لي: احفَظْ وقتَك، واسخُ بنفسِك للَّهِ ﷿، وانْزِعْ قيمةَ الأشياءَ من قلبِك، يَصْفُ لك بذلك سِرُّك، وَيذْكُو به ذِكْرُك. ثم أنشدَ يقول:
حياتُكَ أنفاسٌ تُعدُّ فكلَّما … مضَى نَفَسٌ منها انْتَقَصْتَ بهِ جُزْءا
فتصبحُ في نَقْصٍ وتُمْسي بمِثْلهِ … ومالَكَ مَعْقولٌ تُحسُّ بك رُزْءا
يُميتُكَ ما يُحْييكَ في كلِّ ساعةٍ … ويَحدُوكَ حادٍ ما يَزيدُ بكَ الْهُزءا
قال أبو محمد: قلتُ لأحمد: هذه موعظةُ على لك، فعِظْني. فقال: يا أخي، عليك بلُزومِ الطاعة، وإيَّاك أنْ تُفارقَ بابَ القناعة، وأصْلِحْ مَثْواك، ولا تُؤْثِرْ هَوَاك، ولا تَبعْ آخرَتَكَ بدُنياك؛ واشتغِلْ بما يَعْنيكَ بِتَرْكِ ما لا يَعْنيك. ثم أنشد:
نَدِمْتُ على ما كانَ منِّي نَدَامةً … ومنْ يَتَّبِعْ ما تشتهي النفسُ يَنْدَمِ
فخافوا لكيما تأمنوا بعدَ موتِكُمْ … ستَلْقَوْنَ رَبًّا عادِلًا ليس يَظْلِمُ (٢)
فليس لِمَغْرورٍ بدُنْياهُ زاجِرٌ … سيَنْدمُ إنْ زَلَّتْ بهِ النَّعْلُ فاعْلَمِ
(١) في (ب، ح): "وخلق قران"، بدل "وموت جنان"، والمثبت من (ق).
(٢) كذا في الأصول، بإقواءٍ في القافية، ولعلّ الصواب: "لم يُظَلَّم"، أي لم ينسب إلى الظُّلْم أبدًا.