وقال بعضهم: كنتُ أواظِبُ على الجمعةِ بجامعِ المنصور، فعرَضَ لي شُغل، فصلَّيتُ في غيره، فرأيتُ في المنام كأنَّ قائلًا يقول: تركتَ الصلاةَ في جامع المدينة، وإنه ليصلي فيه كلَّ جمعةٍ سبعون وليًا!.
وقال آخر: أردتُ الانتقالَ من بغداد، فرأيتُ كأنَّ قائلًا يقولُ في المنام: أتنتقلُ من بلدٍ فيه عشرةُ آلافِ وليٍّ للّهَ ﷿؟
وقال بعضُهم: رأيتُ كأنَّ ملَكَيْنِ أتيا بغداد، فقال أحدُهما لصاحبِه: اقلِبْ بها، فقد حقَّ القولُ عليها. فقال الآخر: كيف أقلِبُ ببلدٍ يُختمُ فيها القرآن كلَّ ليلةٍ خمسةَ آلافِ ختمه (١)؟.
وقال أبو مُسهر عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال: إذا كان علمُ الرجلِ حجازيًّا، وخُلُقه عِراقيًّا، وصلاتُه شاميَّةً فقد كمَل (٢).
وقالت زُبيدة لمنصور النَّمَريّ: قُلْ شعرًا تُحبِّبُ فيه بغدادَ إليّ، فقد أختارُ عليها الرافقة. فقال:
ماذا ببغدادَ منْ طيبِ الأفانينِ … ومنْ مَنَازل (٣) للدنيا وللدِّينِ
تُحْيي الرياحُ بها المَرْضَى إذا نَسَمَتْ … وجَوَّسَتْ بين أغصانِ الرياحينِ
قال فأعطَتْهُ ألفَيْ دينار (٤).
وقال الخطيب (٥): وقرأتُ في كتابِ طاهر بن مظفَّر بن طاهر الخازن بِخَطِّه من شعره:
سقى اللّه صَوْبَ الغادياتِ مَحلَّةً … ببغدادَ بين الكَرْخِ فالخُلْدِ فالجسرِ
هي البلدةُ الحسناءُ خُصَّتْ لأهلِها … بأشياءَ لم يُجْمَعْنَ مُذْ كنَّ في مِصْرِ
هواءٌ رقيقٌ في اعتدالٍ وصِحَّةٍ … وماءٌ له طَعْمٌ ألذُّ من الخَمْرِ
ودِجْلَتُها شَطَّانِ قد نُظِما لنا … بتاجٍ إلى تاجٍ وقصرٍ إلى قصرِ
تراها كمِسْك والمياهُ كفِضَّةٍ … وحَصْبَاؤها مِثْلُ اليواقيتِ والدُّرِّ
وقد أورد الخطيبُ في هذا أشعارًا كثيرةً، وفيما ذكرْنا كفاية.
وقد كان الفراغُ من بناءِ بغدادَ في هذه السنة - أعني سنةَ ستٍّ وأربعين ومئة. وقيل: في سنة ثمانٍ
(١) في تاريخ بغداد (١/ ٤٨).
(٢) في تاريخ بغداد (١/ ٥٠).
(٣) في (ق)، وتاريخ بغداد: "منازه"، والمثبت من (ب، ح).
(٤) في تاريخ بغداد (١/ ٥٢).
(٥) في تاريخ بغداد (١/ ٥٢، ٥٣).