فقال الحجاج: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ. فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان (١).
وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بأن المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ [قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم] إلى قوله [أحب إليكم] فيقرؤها برفع أحب.
وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدًا فأمل (٢).
وقال ابن دريد (٣): عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قَتَل الحجاج ابن الأشعث، وصَفت له العراق، وسّع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدًا:
عليك بتقوى الله في الأمرِ كلهِ … وكنْ يا عبيدَ اللّه (٤) تخشى وتضرعُ
ووفِّر خراجَ المسلمينَ وفيئهم … وكنْ لهمُ حصنًا تجيرُ وتمنعُ
فكتب إليه الحجاج:
لعمري لقد جاء الرسولُ بكتبكم … قراطيسُ تملا ثم تطوى فتطبعُ
كتابٌ أتاني فيهِ لينٌ وغلظةٌ … وذكرتُ والذكرى لذي اللّبِّ تنفعُ
وكانتْ أمور تعتريني كثيرةٌ … فأرضخُ أو أعتل حينًا فأمنعُ
إذا كنتَ سوطًا من عذابٍ عليهمُ … ولمْ يك عندي بالمنافعِ مطمعُ
أيرضى بذاكَ الناسُ أو يسخطونهُ … أم احمد فيهمْ أمْ أُلام فأقذعُ
وكانَ بلاد جئتها حينَ جئتها … بها كلُّ نيرانِ العداوةِ تلمعُ
(١) القصة متأخرة في أ، ب وهي في تاريخ دمشق (١٢/ ١٥١ - ١٥٢) وتهذيب ابن عساكر (٤/ ٦٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص ٣١٩).
(٢) تاريخ دمشق (١٢/ ١٥٣).
(٣) الخبر أخرجه ابن عساكر بسنده إلى ابن دريد (١٢/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٤) في تاريخ دمشق: وكن لوعيد الله.